الشيخ: بالنسبة لهذا السؤال كتاب"الصحابة"هو دليل لما نقول نحن، الذي ألف هذا الكتاب ليس فردًا من أفراد جماعة التبليغ، بل هو رأس، إن لم يكن من رءوسهم فهو رأس الرءوس، ألف هذا الكتاب، والجماعة ينطلقون على هداه، ولكن هذا الكتاب جمع ما هبّ ودبّ، أي: لم يخصص هذا الكتاب بأن يذكر فيه ما صح أولًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس ككلام غيره من الناس، ولو كانوا أولياء وصالحين.
ثانيًا: ذكر روايات كثيرة عن الصحابة - رضي الله عنهم - فيها أيضًا من باب أولى إذا كان في الأحاديث التي نسبها إلى الرسول فيها أشياء لا تصح نسبتها إلى الرسول عند من؟ عند أهل العلم بطريق معرفة الحديث، ومعرفة الأسانيد، وتراجم رجال الأسانيد، ونحو ذلك، فمن باب أولى أن يذكر في هذا الكتاب روايات كثيرة وكثيرة جدًا عن الصحابة من أقوالهم، من أفعالهم، من منهجهم، من سلوكهم، وكثير منها لا يصح.
ويعجبني بهذه المناسبة قول لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهذا من نفيس كلامه ودقيق منهجه العلمي، حيث قال ما معناه: أن على كل باحثٍ أن يتثبت فيما يرويه عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يتثبت فيما يرويه عن الله ورسوله، هذه كلمة جماهير العلماء قديمًا وليس حديثًا فقط، قديمًا وحديثًا قد أخلوا بها، فما تعود إلى كتاب إلا ما ندر جدًا جدًا، مثل كتاب"نيل الأوطار"للشوكاني، هذا من الكتب التي نحن نحض طلاب العلم على الاعتناء بدراسته والاستفادة منه، ومع ذلك تجد يحشد فيه أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم بمناسبة الكلام عن آية أو حديث، لكنه لا يسلك هذا السبيل، وهو سبيل التثبت مما يُنسب إلى الصحابة، كما يجب التثبت لما يُنسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن هنا: يصيب المجتمع الإسلامي شيء من الانحراف، لماذا؟ وهذه نقطة في الحقيقة مهمة جدًا، نحن قلنا دائمًا وأبدًا: أن منهجنا كتاب الله، وسنة رسول الله، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، لا يكفي اليوم أبدًا أن ندعو الناس للكتاب والسنة فقط، لأنك لن تجد في كل هذه الجماعات المختلفة حديثًا وقديمًا، لن تجد جماعة منهم ولو كانوا من المرجئة أو كانوا من المعتزلة يقولون: نحن لسنا على الكتاب والسنة، كلهم يقولون هكذا، إذًا ما هو الفارق بين هذه الجماعات التي كلها تقول - وهي صادقة فيما تقول، ما نستطيع أن نتهمها، صادقة فيما تقول - نحن على الكتاب والسنة، لكنها غير صادقة في تطبيقه على ما كان عليه سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم -.
من هنا نقول: لابد من معرفة ما كان عليه السلف لنستعين به على فهم الكتاب والسنة، فإذا جاءتنا رواية عن بعض الصحابة وهي غير صحيحة، وأخذنا بها على أساس أنها بيان للكتاب والسنة انحرفنا كما لو أخذنا بحديث ضعيف أو موضوع؛ لهذا ابن تيمية يقول:"يجب التثبت فيما نرويه عن الصحابة كما نتثبت فيما نرويه عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -"هذا الكتاب كتاب"الصحابة"خالف هذا النهج العلمي، فهو جمع ما هب ودب، وأنا أضرب لكم مجملًا مثلًا: هو ينقل مثلًا حديثًا عن كتاب"مجمع الزوائد"، يقول: رواه أحمد، والطبراني، وقال في"مجمع الزوائد":"رواته ثقات"الذين يتداولون هذا الكتاب، حينما يقرءون قال في"مجمع الزوائد":"رجاله ثقات"ما الذي يفهمونه منه كما يقولون في بعض الأعراب في سوريا"خوش حديث"مادام رجاله ثقات صار حديث ثابت - لا - عند أهل العلم: أي حديث يقولوا فيه أحد المحدثين:"رجاله ثقات"فليس يعني ذلك هذا المحدث أنه حديث صحيح، بل أي حديث يقول فيه مؤلف الكتاب:"رجاله رجال الصحيح"فلا يعني أنه صحيح، وهذا أشد إيهامًا لصحة الحديث من قوله الأول، إذا قال:"رجاله ثقات"قد يتوهم بعض الناس أنه صحيح، لكن الإيهام بالتعبير الثاني"رجاله رجال الصحيح"أكثر، مع ذلك لا هذا ولا هذا في علم الحديث يعني صحة الحديث.
إذًا كان ينبغي على مؤلف هذا الكتاب أن يختار، ما نقول أن يصحح كل هذه الروايات ويدقق القول فيها؛ لأنه الحقيقة أنا أعتقد أنه لو أراد رجل عالم متثبت يريد أن يصحح وأن يضعف، أن يؤلف كتابًا مثل كتاب"الصحابة"لأخذ منه سنين عديدة، لأن الحديث الواحد التحقيق فيه قد يأخذ منه ساعات، بل قد يأخذ منه يوم وأيام، ونحن هذا نعرفه بالتجربة، فإذًا هو أراد أن يؤلف مثل هذا الكتاب على هذه الطريقة كأن يأخذ منه عمره، أو بعض عمره على الأقل، لكن كنا نرجو منه أن يختار ما صح عنده بأقرب طريق، بدون ما يأتي يخصص الكلام في كل حديث من هذه الأحاديث؛ إذًا هذا هو الجواب عن كتاب"الصحابة": أنه لا ينبغي الاعتماد عليه إلا بشيء من التحفظ كأكثر الكتب، وأنا أضع بين أيديكم الآن قاعدة لكي لا تحترموا الاستفادة من مثل هذا الكتاب، فأقول: كلما رأيتم حديثًا معزوًا أولًا لأحد الصحيحين في هذا الكتاب أو في غيره، يقول: رواه البخاري ومسلم، رواه البخاري، رواه مسلم، فعضو عليه بالنواجذ، هذا أولًا.
ثانيًا: إذا رأيتموه نقل عن أحد المحدثين أنه قال: هذا حديث إسناده صحيح، أو قال إسناده حسن، أيضًا تمسكوا به، وما سوى ذلك فعرجوا عنه، ولا تعرجوا عليه، غيره.
الطالب: بارك الله فيك، هذا في الكتاب نفسه، أو قاعدة عموم الكتب يعني؟
الشيخ: كل الكتب؛ لعلك تحفظ سؤالك لمناسبة أخرى إن شاء الله.