فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 7959

السائل: شيخنا فيه بعض العلماء يقول إن مذهب السلف (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )، الرحمن على العرش استوى فقط لا تقول علا، وهكذا لا تقل نزل بذاته، فما جوابكم على ذلك؟

الشيخ: أعد عليّ ... .

السائل: فيه بعض العلماء يقول أن مذهب السلف في الصفات أن تقول (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )ولا تقول استوى بذاته، (ينزل ربنا إلى السماء) فلا تقول بذاته، فقط استوى، فقط ينزل، دون تفكير بالمرة، فما جوابكم؟

الشيخ: أينعم، جوابي كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، اخرجوا الرجل"، نحن نقول لهؤلاء الذين حكيت عنهم ما ذكرت، وهم يسمون بجماعة التفويض، هؤلاء ليسوا من السلف من قريب أو من بعيد، أقول لهؤلاء: حين تقولون لا تقل الرحمن استوى على العرش استوى بذاته، وإنما نقول الرحمن على العرش استوى، هكذا يقولون، نسألهم بفهم أم بغير فهم، نقول لهم: نوافق معكم مبدئيًا، نقول: الرحمن على العرش استوى، بدون قيد"بذاته"، لكن حين نقول نحن وأنتم (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )بفهم أم بغير فهم؟ فإن قال: بغير فهم. سقط وانكشف وعرفنا منه أنه معطل، يتستر وراء ما كان يدعيه كثيرون من قبل ومن بعد أنهم يقصدون التنزيه، نحن أيضًا نقصد التنزيه، ولكن مع الفهم، فما معنى (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )؟ لعلك فهمت إلى هنا؟

السائل: نعم.

الشيخ: طيب، (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )كما تقول: سبحان ربي الأعلى. وكما تقول: (( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) )إلى آخر الآية، فالله - عزَّ وجلّ - فوق عرشه، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك:"الله -تبارك وتعالى- فوق عرشه بذاته، وهو معكم بعلمه -ثلاثة أشياء-، الله -تبارك وتعالى- فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه". فحينما يقول الإمام عبد الله بن المبارك هذه الكلمة إنما يقولها تفقهًا منه؛ لأن الرحمن من الأسماء التي يُسمى بها ربنا - عزَّ وجلّ -، كاسم الإله فهو من أسماء الذات، فلو قال عليم بصير فهذا اسم صفة، لكن الله والرحمن اسم ذات، فكلمة بذاته ليست إضافة من عندنا وإنما هو ما يفهمه كل إنسان فمثلًا: الله خلق السموات والأرض. إذا قلنا: بذاته خلق السموات والأرض، هذا ليس معنى ذلك أننا أضفنا معنًا لا يؤخذ من كلمة الله، خلق الله السموات والأرض أي خلق الله بذاته لم يشاركه في ذلك أحد سواه، هذا التأويل أي التفسير لا يعني أننا نحن أولنا كما يريد أن يقول ذلك الناصح خطأ: قولوا الرحمن على العرش استوى ولا تقولوا بذاته. نحن إذا قلنا الرحمن على العرش استوى بفهمٍ، فمعناه بذاته، وإذا قلنا الرحمن على العرش استوى كلام لا ندري ما معناه، فقد خالفنا السلف الصالح كما هو الشأن في كل الصفات التي نؤمن بها معهم دون تشبيه ودون تعطيل، دون تشبيه لقوله -تعالى-: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) )، دون تعطيل لقوله: (( وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ). فبعض الفرق القديمة من المعتزلة كانوا يعطلون الله عن هاتين الصفتين، صفة السمع وصفة البصر، فيقولون: هو -يعني عليم- الله عليم، ثابت (( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )، لكن هنا يقول: (( وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) )فعطلوا هاتين الصفتين، وأنكروهما، لماذا؟ لأنهم يتوهمون أننا إذا آمنا بما جاء في كتاب ربنا بدون تشبيه، مع ذلك بظنهم أننا نشبهه، فهذا بحثٌ يطول ونهايته أن يؤدي بهؤلاء المعطلة إلى إنكار وجود الله -تبارك وتعالى- من الأصل، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- حين قال:"المجسم إنما يعبد صنمًا، والمعطل إنما يعبد عدمًا"، كلاهما ضال، لكن أيهما اشد ضلالًا؟ الذي نفى نفيًا مطلقًا؛ لأنه يقولون وهذا ذكرناه في بعض مجالسنا القديمة حينما يتحدثون عن الله - عزَّ وجلّ - وأنه على العرش استوى، يقولون: لا، لا يوصف ربنا، لا يقال فيه - عزَّ وجلّ - -عندهم- فالله فوق، لا يقال فوق، لا هو فوق ولا هو تحت، ولا هو يمين لا هو يسار، لا هو داخل العالم ولا خارجه، إذًا رجعوا إلى العدم. لذلك قال ابن القيم -بحق-:"المعطل يعبد عدمًا"-محضًا-. فإذا لم يكن لا داخل العالم ولا خارجه، لو قيل لأفصح الناس بيانًا: صف لنا المعدوم، ما هو؟ فقال لك: لا هو فوق ولا هو تحت، لا يمين لا يسار، لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه. نقول له: صدقت، هذا هو المعدوم. فقد وصفوا ربهم بأنه ايش؟ معدوم، لما عطلوه من الصفات، فالمعطل إذًا يعبد عدمًا، نحن يجب أن نقف عند حدود الشرع ولا نستعمل الأقيسة؛ لأن الله - عزَّ وجلّ - إذا كان سميعًا بصيرًا فسمعه ليس كسمعنا وبصره ليس كبصرنا، كما أن وجوده ليس كوجودنا، فنحن نقول الآن: الله موجود وأنا موجود. فهل معنى ذلك أن نقول حتى ما نقع فيما يزعمون فيه من التشبيه في أحد شيئين ننكر حقيقة من حقيقتين، الله موجود وأنا وأنت والمخلوقات أيضًا موجودة، فلابد من إنكار حقيقة من حقيقتين، وأيهما أنكر فقد ايش؟ قرمطت، إذا قلت: أنا موجود، الله موجود. لا، صار فيه اشتراك، صار فيه تشبيه، إذًا الله ما موجود؛ لأنه صار فيه تشبيه للخالق بالمخلوق، كيف ما موجود، لا موجود، إذًا أنا ما موجود -يضحك الإخوة والشيخ - أحلاهما مُر، لا، إذًا الله موجود وأنا موجود، لكن وجوده كما يقولون ايش؟ وجود بدون ايش؟ موجد، واجب الوجود، أما أنا ممكن الوجود؛ لأن الله - عزَّ وجلّ - هو الذي أوجدني، وإن شاء أعدمني، ولذلك قال تحقيقًا لهذه الفارقة العظيمة: (( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) )، فإذًا نحن نثبت ما أثبت وننفي ما نفى، نفى؛ (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) )، (( وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) )، أثبت، فسمعه وبصره حقيقتان صفتان ثابتتان ولكن (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ). وعلى كل حال طرد كل الصفات فتستريح، ولا تقع لا فيه التشبيه ولا في التعطيل، هذا جواب ما سألت من السؤال. تفضل

السائل: قال لي هذا القائل: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )، استوى: علا. هذا فهمك لاستوى، فماذا تقول فهمك ليد يد الله، فماذا تقول معناها؟ فماذا أقول له؟

الشيخ: اليد التي يعطي بها، أقول وهي ليست كيدي، ما المشكلة الكبيرة هذه؟ وماذا يقول هو؟

السائل: هو يقول: ما دام أن اليد لا تستطيع أن تفسرها ..

الشيخ: لا، لا، هو ماذا يقول، ما المقصود باليد عنده؟

السائل: هو مفوض ... .

الشيخ: هذا هو معطل إذًا، إذًا ما هو الله؟ موجود؟ بنرجع لنفس الموضوع، والا مفقود؟

السائل: موجود.

الشيخ: موجود وأنا موجود، إذًا أنكر إحدى الحقيقتين وحينئذ نحكم عليك بأنه سقط التكليف عنك، -يضحك الإخوة نفع الله بهم-.

الحلبي: شيخنا في نفس المسألة معليش.

الشيخ: تفضل.

الحلبي: أستاذي هم في الحقيقة متأخرة الأشاعرة أو متأخرو الأشاعرة، نفوا لفظ موجود كما أشرت في آخر كلامك أستاذنا، فقالوا: لأن لفظ موجود يقتضي موجدًا، فهو واجب الوجود، فهربوا في شرح البيجوري وكذا، هربوا من لفظ الموجود، وقالوا: لا نقول موجود؛ لأن الموجود يثبت موجدًا، والله واجب الوجود.

الشيخ: آه، هذه مناقشة لفظية، لكن هذا لا يرد في الأخذ والرد؛ لأنه ... .

الحلبي: أنا أحب أن توضح لنا هذه الجزئية، يعني لفظ موجود هل هو في الحقيقة كما يزعمون يقتضي موجدًا؟

الشيخ: لا، لا، لكن هذه مناقشة بيزنطية كما يقولون فعلًا؛ لأنهم هم يناقشون الآن مناقشة لفظية، فعلًا اسم موجود اسم مفعول يستلزم عادة بالنسبة للعرف البشري أن يكون له موجدًا، فهذا الكأس وهذا الإبريق إلى آخره، موجود أوجده هو الذي صنعه إلى آخره، لكن الله - عزَّ وجلّ - كما قلنا في أثناء الكلام هو واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود ما ينفي أن يكون قائمًا وجوده، فنترك بقى الموجود، قائمًا وجوده متحققًا وجوده، فحينئذ هم يفرون من المناقشة تمسكًا بلفظ لا يقدم ولا يؤخر، محينا هذا الاسم، اسم موجود، ألغيناه من قاموس اللغة في هذا البحث، لكن متحقق وجوده، ما يستطيعون أن يقولوا لا مفقود، فإذًا هذا التمسك بهذا اللفظ لا يفيدهم شيئًا، وأرجوا من إخواننا أن يحفظوا كلمة كنت قرأتها في رسالة لا تزال مخطوطة من كلام الخطيب البغدادي، وربما نقلت في بعض الكتب"ما يقال في الصفات يقال في الذات سلبًا وإثباتًا". هل تقول في الله موجود وإلا معدوم؟ موجود، إذا قلت أنه موجود وقد أوضحنا المقصود من لفظة الموجود هل يلزم من ذلك مشابهة الخالق بالمخلوق؟ الجواب لا. كذلك قل في الصفات ما تقول في الذات، تستريح من كل هذه المناقشات؛ لأن الحقيقة الدخول في تفاصيل هذه المسائل والتناقش فيها مضلة، مضلة لماذا؟ لأن كثير من الناس وقد يكون أوتوا منطقًا وأتوا جدلًا، وناس آخرون لم يُعطوا علمًا ولم يُعطوا جدلًا، وعندهم ايش؟ سلامة وعقيدة صحيحة لكن ذلك المجادل قد يتغلب عليه بجدله بسبب سلامة علم هذا الإنسان وقلبه، ولذلك فعلى كل مسلم أن يحفظ هذه القاعدة، وهي قائمة على الآية السابقة (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) )"يقال في الصفات ما يقال في الذات سلبًا وإثباتًا"، حينذاك تستريح من أي مناقشة قد تضطر للدخول فيها وأنت غير مستعد لها.

الحلبي: شيخنا ذكرت في كلامك قول الخطيب البغدادي في مقدمة مختصر العلو نقلته أستاذي هذه فائدة لإخواننا.

الشيخ: جزاك الله خير.

الحلبي: الله يبارك فيك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت