السائل: سألونا بنات بالنسبة لتنظيف شعر اليدين أو شعر الرجلين، هل يجوز استخدام ما يسمى بالعقيدة أو بالدهونات أو الحلق؟
الشيخ: لا الحلق ولا النتف، لأن الشرع حذّر أشد التحذير من تغيير ما لم يأذن الله بتغييره، أو قال في الحديث الصحيح: (خمس من الفطرة) في الحديث الآخر: (عشر من الفطرة) فذكر مثلًا: (قص الشارب، وإعفاء اللحية، ونتف الإبط) هذا نتف مأذون به (وحلق العانة) فهذه أشياء خلقها الله وأذن بالتصرف فيها في حدود معينة، مثلًا لم يأذن بحلق اللحية، لكن أذن بقص الشارب ومن طرف الشفه، وليس بحلقه كما يفعل بعض الصوفية، كذلك مثلًا كل إنسان ينبت له عادةً شعر تحت الإبطين وهناك في العورة، فأذن بتغيير هذا الشيء، بل وجعل هذا التغيير من الفطرة، نتف الإبط وحلق العانة، قص الأظافر كذلك، واختلف العلماء في حكم هذه الأشياء التي اعتبرها الشارع الحكيم من الفطرة، هل يعني بأنها أمور واجبة؟ أم المسلم مخيّر فيها ولا يجب عليه تطبيقها لكن الأفضل أن يطبقها فإن لم يفعل فليس آثمًا؟ في المسألة قولان
منهم من يقول بالوجوب، وهذا هو الحق الذي ما به فيه خفاء. ومنهم من يقول بأنها سنة، وأنا لا أتصور مسلمًا يفكر فيما يقول فيتصور مسلمًا يعيش من يوم أن بلغ سن التكليف وذلك يظهر لإمارات وعلامات كثيرة بالنسبة لسن البلوغ، بعضها ظاهر أحيانًا وبعضها خفيٌ، الظاهر مثلًا صوت الغلام يصير جهوري حينما يبلغ سن الرجال، أما الشيء الخفي وهذا أوضح في الدلالة على البلوغ هو نبات شعر العانة، ولذلك جاء في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما حارب يهود بني قريظة ونصره الله تبارك وتعالى عليهم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ الأنصاري؛ لأنه كان حليفا لهم، فجاء سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جريح على دابته، كان قد أصيب في أكحله في عدده، جاء ليحكم بين النبي صلى الله عليه وسلم واليهود، حيث رضوه حكمًا، فحكم بأن يُقتل رجالهم وتُسبى نساءهم وأطفالهم، قال أحدهم تعرف اسمه الصبي من بني قريظة الذي نجي من القتل، ما عرفوا هل هو بالغ سن التكليف حتى يُلحق بالرجال فيقطع رأسه أو يلحق بالنساء السبايا لأنه لم يبلغ سن التكليف؟ ... فكشفوا عن عورته، فما وجدوه أنبت فنجا من القتل، وصار مسلمًا، ويروى الحديث الآن عنه، نسيت اسمه فلان القرظي.
السائل: محمد بن كعب؟
الشيخ: ممكن يكون هو، الشاهد فهذا الشعر الذي أنبته الله عزّ وجلّ في ذلك المكان لحكمة سمعتم آنفًا شيئا منها، جعل من الفطرة حلقها، فأنا لا أتصور إنسانًا يفكر في عاقبة قول من يقول هذا الحلق هناك وذاك النتف هنا هو سنة إن فعل أُثيب، وإن ترك لم يأثم! كيف نتصور ولد من يوم بلغ سن التكليف وبدأ شعر إبطيه ينبت ويطول، وشعر عانته كذلك حتى يموت سن الستين أو السبعين، يكون صار له لحى بدل لحية واحدة، لحيتين تحت الإبطين، ولحية أطول ما تكون هناك؟! ليس من المعقول هذا الكلام! يضاف إلى ذلك صورة أخرى من الفطرة قص الأظافر، فلو قيل إن هذا سنة فترك أظافره وما قصها أبد الحياة، هذا صار وحش وليس إنسانًا! فيكفي تصور هذا القول أن نحكم بأنه باطل، ولذلك أنا قلت أكثر من مرة هناك حكمة إنجيلية، يذكرون في الإنجيل بأن عيسى عليه الصلاة والسلام، كان يعظ ويذكر حواريه ذات يوم، فكان من جملة ما ذكر لهم: (أنه سيأتي النبي الصادق أحمد) ، يعني نبينا صلى الله عليه وسلم، (ويأتي أنبياء كذبة) ، قالوا: يا روح الله، كيف نعرف الصادق من الكاذب، قال: (من ثمارهم تعرفونهم) فأنا هذه الحكمة استفدت منها في بعض المسائل الخلافية، أعتبر ثمرة القول من خير أو من شر دليلًا مميزًا للراجح من القولين على المرجوح، فهنا مثلًا فيه قولان: (خمس من الفطرة) أو (عشر من الفطرة) اختلفوا منهم من قال يعني واجب، منهم من قال لا، سنة، إن فعلت أثبت وإن تركت فلا شيء عليك، كيف هذا يعقل؟! وهذا سيصبح وحشًا فيما له لم يفعل، كذلك كان الرجل الأعرابي الذي تعرفون كلكم قصته لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وسأله عما فرض الله عليه، فذكر له خمس صلوات وشهر صيام رمضان ... إلى آخره، وفي كل واحدة يقول يا رسول الله هل عليّ غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تطوع) قال: والله يا رسول الله، لا أزيد عليهن ولا أنقص، قال: (أفلح الرج إن صدق، دخل الجنة إن صدق) .
فإذًا لو فرضنا أن إنسانًا عاش في الإسلام لا يقوم إلا بالواجبات، نقول جزاه الله خير، وإن شاء الله يستطيع أن يقوم بكل الواجبات التي أُمر بها، وينتهي عن كل المحرمات التي نُهي عنها، فهل يُعقل مثل هذا الإنسان الذي آل على نفسه ألا يزيد على الفرائض أن يترك هذه السنن الفطرة التي يسميها الفقهاء، فيعيش كأنه حيوان من الحيوانات أو كالقط وهناك شعر من أقبح المناظر! ما أتصور أن يقول به إنسان؛ إذًا هذا (من ثمارهم تعرفونهم) ثمرة القول بوجوب القيام بسنن الفطرة أن يبقى الإنسان نظيفًا جميلًا، إنسانًا اصطفاه الله عزّ وجل كما سمعتم في الخطبة، اصطفاه على ما خلق، وفضله على كثير من خلقه تفضيلا، فلا يعقل إذًا أن يكون القول الآخر بأنه سنة صوابًا، بل هو خطأ.
لقد ابتعدنا قليلًا عما كنا في صدده، اللي نقول بأن من سنن الفطرة تغيير بعض الأشياء التي خلقها الله عزّ وجل كهذا الشعر النابت في الإبطين، ونحو ذلك مما سبق الحديث عنه، لكن تغيير أشياء أخرى لم يأذن الله بها فهذا ليس من الفطرة؛ لأننا نقول إذا كان هذا من الفطرة كان ذكر ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا أولًا.
وثانيًا قد حذّر أمته أشد التحذير من تغيير خلق الله عزّ وجل دون إذنٍ منه، نحن بدءنا بالقول بالحديث عن الفطرة لأننا نقول هذا خلق الله، ومع ذلك أمر الله بتغييره، قص الأظافر تغيير إلى غير ذلك مما ذُكر آنفًا، ولكنه على العكس من ذلك قال: (لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والواصلات والمستوصلات، والفالجات) قال تعليلًا لهذا الحكم الشديد (المغيرات لخلق الله للحسن) إذا عرفنا هذا الحديث رجعنا إلى سؤالك هل هناك رخصة للمرأة المشعرانية ينبت شعر كثيف على ساقها أو على ذراعها، هل يُرخص لها بأن تنتف وتنمص هذا الشعر؟ نقول: لا، لأنها تدخل تحت هذا الحديث (لعن الله النامصات والمتنمصات) كأن سائلًا يقول لِمِ يا رسول الله؟ قال: (المغيرات لخلق الله للحسن) لماذا تنتف شعر زراعها؟ لماذا تنتف شعر ساقها؟ تجملًا وتحسنًا، هنا بعض لا أقول ... نعم.