السائل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) ، فكيف نحن مؤاخذون بالحسد وسوء الظن، فالحسد لم نتكلم به ولم نعمل به.
الشيخ: أي نعم ... قبل الإجابة أقول أنت في الرواية كررت به مرتين، وإنما هو مرة واحدة، هل أحسست بهذا أم لا؟
السائل: كيف يا شيخ؟
الشيخ: وهو الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به) أنت قلت ما لم تتكلم به أو تعمل به.
السائل: سبق لسان.
الشيخ: آه، من أجل هذا أنا أنبه،
السائل: جزاك الله خيرا.
الشيخ: ... من أجل صحة الرواية، أما الجواب فمن أين لنا أن الإنسان لمجرد الحسد أو سوء الظن القائم في النفس يؤاخذ عليه، من أين لنا هل عندك دليل؟
السائل: إنما يعني ظواهر النصوص تدل على أنه فعل قبيح.
الشيخ: فعل قبيح صحيح، ولكن البحث ليس هنا في حدود طرحك للسؤال، لم يكن سؤالك هذا قبيح وإلا ليس بقبيح، وإنما كان السؤال واضحًا جدًا، كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين أننا نعاقب ونؤاخذ على الحسد وسوء الظن، أليس كذلك كان السؤال؟
السائل: نعم، نعم.
الشيخ: ولذلك جاء السؤال على السؤال من أين لنا أن الذي حسد أو أساء الظن بأنه يعاقب؟ هنا الجواب أن الحسد وسوء الظن الذي يعاقب به الإنسان هو ما ظهر على أعماله، وعلى أفعاله، أما مجرد حسد في قلبه أو سوء ظن في نفسه في أخيه، فهذا ليس عندنا ما يدل على أنه يؤاخذ عليه لكنه قبيح ولا شك؛ لأن هذا من باب الدندنة حول الحمى؛ ولذلك جاء في بعض الأحاديث وأنا لا أذكر أنه صحيح، ويغلب على ظني أنه ضعيف وهو مسجل بلا شك في بعض كتبي:"إذا حسدت أو إذا أسأت الظن"الآن يختلف عليَّ الأمر، المهم في كلمة (فلا تحقق) شايف، فلا تحقق، والتحقيق لا يكون إلا بإظهار أثر الحسد في كلامه على الأقل إن لم يكن هناك عمل من الكيد والمكر به؛ ولذلك فهناك يعني عفو عظيم جدًا لهذه الأمة أنه لا يؤاخذ المسلم ما لم يظهر ما في نفسه من النوايا السيئة على عمله أو على لسانه؛ ولذلك نحن نقول الجمع واضح جدًا، بأن نفهم أن التحذير من الحسد ومن سوء الظن، ماشي خشية أن يكون له آثار سيئة عملية في حياة الحاسد أو المسيء للظن، فقوله ما لم يتكلم أو يعمل به هو جواب صريح لسؤالك، أي الحسد وسوء الظن ما لم يعمل أو يتكلم به، فهو عفوُ، والله متجاوز عنه، لكن من الناحية التربوية هل نقول للمسلم احسد ولا تعمل، لا بنقول له أبعد عن الشر ما استطعت إليه سبيلا، أظن وضح الجواب إن شاء الله؟
السائل: في تقسيم الحسد لبعض أهل العلم إلى درجة العزم وهم النفس وما شابه ذلك العزم يؤاخذ عليه أم ما دون ذلك ما يؤاخذ عليه؟
الشيخ: ... هذا ليس بالطبع هذا القيد، ليس خاصًا بالحسد، أو بسوء الظن بكل شيء هو ينويه من السيئات، لكن هذا الحديث بارك الله فيك، الحديث الذي ذكرته أنت من قبل هو الحكَم الفصل في هذا الموضوع؛ لأنه قال (تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ... ) استقر أو لم يستقر؛ لماذا؟ لأنه قال (ما لم يتكلم أو يعمل به) ، فهذا الحديث لا يحتاج إلى تقيد أبدًا؛ لأنه عمم ثم خصص قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي كل ما يجول في نفوسها) ثم استثنى قال: (ما لم تتكلم أو تعمل به) ، فإذًا من الفلسفة المقيتة أن يأتي المسلم وهو الذاكر أما الخطأ هذا لا أحد ينجو منه، وهو ذاكر بهذا التعميم ثم لهذا الحصر، فنقول إلا كذا وإلا كذا، واضح الجواب؟
السائل: نعم.
الشيخ: ولعلك تستحضر بعض الأدلة التي أنا أسميها بحقٍ شبهات لهؤلاء الذين يفرقون بين الهم والعزم، هم يفصلون تفصيلا نفسيًا مطابقًا للواقع، فيقولون أول شيء الخاطر ثم الهم ثم العزم يعني الإنسان كإنسان عادي طبيعي لما بده يعمل شر، باله خالي من هذا الشر يخطر في باله خاطرة، أنه مثلا يروح على السينما، هذه خاطرة، فإذا ما استقرت هذه الخاطرة، وتمكنت من نفس صاحبها، ولم يبق بينه وقبل ذلك بهم، كل ما اشتدت في نفسه هذه الخاطرة، ينتقل إلى مرحلة إيش؟ الهم، فإذًا لم يبق إلا إخراج هذا الذي هم به، إلى حيز العمل، لم يبق هناك إلا العزم، هذا تفصيل فقهي، وربما أقول متحفظًا ربما يكون لغويًا، وإن كنت لا أشعر بأن ثمة فرقًا بين هم وعزم؛ لأن الله يقول: (( ولقد همت به وهم بها ) )لكن هكذا يقولون يفرقون فيقولون خاطرة، فالهم فالعزم، فإذًا عزم على المعصية ولم يعملها أخذ عليها، يقول أولئك الذين أشرت إليهم، لكن هذا يتنافى مع أحاديث كثيرة، إلا أنهم وهنا كان مقصد سؤالي لعلك تذكر بعض أدلتهم التي أنا أسميها بالشبهات، تذكر؟
السائل: أقول نصوص عامة أتت في السنة بنفي أو ....
الشيخ: لا، نحن نقول الآن ليس من باب التحاسد وإساءة الظن، كمبدأ عام يعني، هم يريدون مثلا إشكالا، قوله عليه السلام: (إذا تقاتل المسلمان) ... (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال عليه السلام: (أراد أن يقتل صاحبه) ، يستدلون بهذا الحديث كما أنهم يستدلون بحديث بكبش النار، يلي فيه أيضًا أنه المسلم الذي يتصدق ويعمل خير، وآخر يتمنى أن يفعل مثله، يقول الرسول (فهما في الأجر سواء) ، في أحد منكم يذكر هذا الحديث؟ المهم الشطر الثاني كمان واحد مال ويصرفه في الشر، وواحد ما عنده مسكين، شو يقول، يقول لو كان عندي لفعلت مثل قال: (هما في الوزر سواء) ، هذا أيضًا يشكل على بعض الناس، كما يشكل عليهم الحديث الأول أنه أراد أن يقتل صاحبه، لكنهم سبحان الله إنهم يغفلون مع فضلهم وعلمهم أن الإرادة في كل من الحديثين مفسر بالعمل، أحدهما مفسر بقوله عليه السلام أنه إذا لقي المسلم وقاتل أخاه المسلم: (إذا تلاقى المسلمان بسيفيهما) إذًا هذا المقتول، عملَ، إذًا مش مجرد إرادة، خرجت إرادته إلى حيز العمل، لكن النتيجة كانت أنه صار قتيلا، أنه أراد أن يقتل صاحبه، أي فعلا ليس مجرد قصد؛ لأنه لو صورنا الآن مسلما في عكر داره ضمر في نفسه أن يقتل خصمه وإذا ذاك كان أسبق إليه، فجاء وغدر به وقتله هل ينطبق عليهما هذا الحديث؟ أبدًا لا، لماذا؟ صحيح هو زور في نفسه، وأمر في نفسه أن يقتل هذا القاتل، لكن ما صدر منه عمل، بينما ذاك صدر منه عمل، فإذًا هذا القاتل في النار، أما المقتول فليس في النار، بخلاف ما إذا تبارزا بسيفيهما، فهم ككل منهم أظهر ما قرره في نفسه وأراده من الشر لعدوه بعمله. فإذًا هنا لم تكن المؤاخذة لمجرد الإرادة القبلية وإنما لمجرد الإرادة التي خرجت إلى حيز العمل، فلم يتعارض هذا الحديث مع قوله ما لم يتكلم أو يعمل به، بل هذا يؤيده تمامًا، كذلك الحديث الآخر أنه لو كان عندي من المال لفعلت مثله، هو عم يقول ويجتهد ... أنه يفعل ويروح وبيأتي إلى آخره، إذًا هذا أخذ عليه ليس بمجرد شيء كمين في نفسه، وإنما بشيء ظهر على لسانه وعمله، ولذلك يبقى الحديث (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت بها أنفُسَها) وفي لفظٍ: (أنفُسُها) وكله صحيح (ما لم تتكلم به، أو تعمل به) يبقى كما هو واضح ظاهر ليس هناك ما يمكن أن يخصص به إطلاقًا