فهرس الكتاب

الصفحة 4959 من 7959

الشيخ: وأنا أذكر بهذه المناسبة قصة وقعت لي تؤكد لكم هذا المعنى الذي دندنت حوله هذه الأحاديث الصحيحة، هي أنني قُدر لي أني ذهبت إلى بريطانيا في سبيل الدعوة والاتصال مع الجاليات الإسلامية هناك، فدللت على داعية في بلدة تبعد عن لندن نحو مائة وعشرون كيلو متر، وكان الشخص الذي يممنا شطرنا إليه رجلًا مسلمًا من جماعة الشيخ المودودي - رحمه الله - وكان الوقت يومئذٍ شهر رمضان، فجاء وقت الإفطار فجلسنا على مثل هذه السفرة المتواضعة نفطر، رأيت الرجل يجمع بين نقيضين من حيث المظهر، فهو ملتحي وهذا نادرًا ما نراه في بلاد الإسلام فضلًا عن بلاد الكفر والطغيان، لكنه بالإضافة إلى ذلك هو إذا صح التعبير ما رأيك؟ متأجرف بالجرافيت، عقدة تعرفونها، فذكرته بأن هذا لا يجوز للمسلم لأنه تشبه بالكفار، وذكرت له بعض الأحاديث الواردة في هذا الصدد ومنها الحديث المشهور: (بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) .

ومما يدل على أن صاحبنا هذا رجل طيب، كذلك الذي سأل عن أعلم أهل الأرض ليدلوه على التوبة، مجرد أن قال له العالم: (إنك بأرض سوء فاخرج منها) انطلق سريعًا إلى الأرض الصالحة، وهكذا هذا الرجل تجاوب معي فورًا فحل العقدة ورماها أرضًا وهو يأكل يفطر، ما أجلها كما يفعل بعض الناس، ولكن ما كادت الفرحة تحل في القلب إلا أتبعها بطرح ذلك لأنه علل فعلته تلك أي: وضع الجرافيت، من أجل ماذا؟ قال: هنا البريطانيون ينظرون نظرة خاصة إلى إخواننا الفلسطينيين الذين من عادتهم أن يفكوا الزر هكذا، ولا يعقدون الجرافيت على عقنهم، فالبريطانيون ينظرون إلى الفلسطينيين معروف العداء بينهم، نظرة احتكار وعدم اكتراس وإلى آخره، تفهمون هذا التعليل ما أسوأه! فأنا صارحته، قلت له: بارك الله فيك، ليتك سكت، أي: أن معنى هذا الكلام أنك تهتم برأي هؤلاء الكفار وببغضهم لإخواننا الفلسطينيين المسلمين، ونظرتهم الشائنة إليهم فأنت لا تريد أن تلحق بهم بهذه النظرة إذا ما ربطت العقدة فيظنونك فلسطينيًا فما يصيبك إن ظنوك مسلمًا فلسطينيا!

الشاهد من هذه القصة: أن هذا الرجل الفاضل المتجاوب مع السنة فورًا تأثر بعيشه في ذلك المحيط البريطاني، فعلل وضعه للعقدة وتشبهه بالكفار حتى لا يُنسب إلى المسلمين، فإذًا التشبه فيه رباط بين المتشبه والمتشبه به، والمخالطة والمجامعة هي بلا شك تؤكد هذا الرباط إما بصورة خفية كما فعل هذا الإنسان أو بصورة جلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت