الشيخ: ولذلك هذا يؤدي بنا، إلى أن نتخذ هذا الجواب قاعدة للرد على بعض الدكاترة وهنا بصورة خاصة، في الجامعة الأردنية، يقررون بأن بعض الأحاديث النبوية، التي تتعلق ببعض الجزئيات الطبية، والتي لم يثبت الطب حقائقها، قالوا نحن نتوقف، ولا نقول بأن هذا الحديث صحيح، ولو صححه المحدثون، لأن الطب لم يصححه، هذا معناه شك في شيئين، الشيء الأول الشك في اجتهادات علماء الحديث، وجهودهم، التي تكاتفت على مر الأيام والسنين في ضبط أحاديث الرسول عليه السلام، وتمييز صحيحها من ضعيفها، أولا، ثم فيه الطعن، على ما تلقته الأمة بالقبول، لأن أحاديث البخاري ومسلم كما هو معلوم لدى الجميع، هي أصح الأحاديث، وأصح الأقوال التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد كتاب الله تبارك وتعالى، ولذلك اتفقت الأمة كلها، على أن حديث الصحيحين، مما لم يقع فيه خلاف بين العلماء المتقدمين، فكلها تفيد الصحة واليقين، فلا يجوز الشك في شيء منها بسبب أن بعض الناس يعيشون ثقافة معينة، أو عقلية معينة، كالمثال الذي أشرت إليه آنفا، عندكم مثلا من الأحاديث التي لا يؤمن بها الأطباء اليوم، إلا من كان مؤمنا حقا، أحاديث كثيرة جدا، تدور كلها في الطب النبوي، من ذلك قوله عليه السلام (في الحبة السوداء، شفاء من كل داء إلا السام) الحبة السوداء، التي يقولون عنا في الشام تعبير جميل"ما بتعبي العين"من صغرها، العين ما بتشبع من النظر إليها، لكن من علم، هذا النص النبوي الكريم الصحيح، لا شك أنه حين ينظر إليها، تختلف نظرته إليها، عن نظرة عامة الناس، وبخاصة الكفار منهم إليها، هذا الحديث بطبيعة الحال، الطب التجريبي، كما يقولون، لم يكتشف سر هذه الحبة المباركة، وإن كانوا قد اكتشفوا شيئا من فوائدها، أما إنها شفاء من كل داء، إلا السام الموت، فهذا ما وصلوا إليه، وفي اعتقادي، ربما لن يصلوا إليه، لأنه يبقى حكما شرعيا غيبيا، ليمتحن الله به عباده، أيؤمنوا أم يكفرون؟ من ذلك مثلا الحديث المعروف، حديث الذبابة (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم ليخرجه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) ، ما وجدوا هذا في زعمهم، وبخاصة السر الأكبر، الذي لا يمكنهم أن يكشفوه، إلا بتجارب عديدة، وكثيرة جدا جدا، وهي أن تراقب الذبابة، حيث جاء في بعض الروايات الصحيحة، أنها تقع على الجناح الذي فيه الداء، فهذا أظن حتى لو أجريت اختبارات يعني تجريبية، وهي تهبط على الأناء فقد يكون الإعجاز، أن الذباب على نوعين، منه ما يكون الداء في الجناح الأيمن، ومنه ما يكون الجناح الأيسر فتختلف النتيجة، فلا يمكن الوصول إليها بالتجربة، إذن ما ينبغي حينئذ للمسلم إلا أن يقف ويقول كما قال رب العالمين (( ويسلموا تسليما ) )، بعض الأطباء بعض الدكاترة يقولون، هذه الأحاديث مشكلة، فنحن نتوقف عنها، يعني لا نصدق، ولا نكذب وترون ما حقيقة هذا الموقف؟ لو أردنا أن نشرحه أي أنهم يعاملون حديثهم حديث نبيهم معاملتهم للإسرائيليات لأن الإسرائيليات هي التي جاء عن الرسول عليه السلام الأمر بأن لا نصدقهم وأن لا نكذبهم، لأننا إن صدقناهم، نكون قد صدقناهم فيها افتروا، وإن كذبناهم يمكن أن نكذبهم في شيء، من البقايا الثابتة من شرائعهم فلا نصدقهم ولا نكذبهم، هذا موقف المسلم بالنسبة للإسرائيليات أما موقف المسلم، بالنسبة للأحاديث الواردة عن الرسول عليه السلام، وبالأسانيد الصحيحة، فلا يجوز إلا أن يكون آمنا بالله، وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الإيمان، لأننا إن انتظرنا أن يثبت بالتجربة الطبية، حقيقة شرعية فآمنا نحن ما آمنا بالشرع والحالة هذه، آمنا بماذا؟ بالطب حينئذ هذا يناقض الإيمان الكامل، كما قال تعالى في أول سورة البقرة (( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) )لمن؟ (( هدى للمتقين ) )من؟ (( الذين يؤمنون بالغيب ) )أول شرط للمؤمنين حقا ايمانهم بالغيب، وما هو الغيب؟ كل ما غاب عن عقلك، فهو غيب، فكل ما جاء عن نبيك صلى الله عليه وسلم يجب أن تسلم به، وأن تؤمن به، سواء ثبت بالطب أو بالعلم أو لم يثبت، ولذلك فالذين يقررون اليوم، ويقولون مثل هذه الأحاديث نحن نتوقف، ولا نقول فيها شيئا، إنما يلقون الشك، في قلوب المسلمين، في قلوب الطلبة، الذين سوف يصبحون عما قريب موجهين للأمة، وفاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان هؤلاء لا يوجد عندهم الإيمان فليس باستطاعتهم أن يزرعوا هذا الإيمان، في قلوب الناس لأنهم هم في أنفسهم، ليسوا مؤمنين بكثير مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن جاء مثل قوله تعالى (( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) )، إذن هذا مثال واقعي، كيف نقول إن الرسول عليه السلام لا يجتهد، ها هو قد اجتهد ولكنه لم يقر (( وما يدريك لعله يزكى أو يتذكر فتنفعه الذكرى ) )، وكثير من الأحكام التي صدرت عن الرسول عليه السلام توحي إلينا من كلامه عليه السلام، لا من كلام رب العالمين أنها اجتهاد منه، وقريبا ذكرنا بمناسبة، أن امرأة فاضلة من الصحابيات، الفضليات اسمها فاطمة بنت قيس سافر عنها زوجها، وقد طلقها تطليقتين، ثم أرسل إليها بالطلقة الثالثة، وكان لهذا المطلق المسافر وكيل في المدينة، فجاء إليها وبلغها تطليق زوجها الطلقة الثالثة، وطلب منها أن تخرج من دار زوجها، لأنها أصبحت بائنة منه بينونة كبرى، ما كان عندها علم أن المطلقة ثلاثا، ليس لها نفقة ولا سكنى، فتجلببت وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقصت قصتها للنبي صلى الله عليه وسلم، أي أن زوجها طلقها طلقة ثالثة، وأرسل إلى وكيلها وجاء إليّ وطلب مني السكن، فقال عليه السلام (ليس لك نفقة ولا سكنى اذهبي) وهنا الشاهد (اذهبي إلى بيت أم شريك) وكانت امرأة فاضلة أيضا، من المهاجرات، وكان المهاجرون يترددون على دارها، فقال لها (اذهبي إليها) ، ثم قال لا، هنا بقي انتبهوا إذا لما قال لها اذهبي، كان هذا اجتهاد من عنده، لأنه عقب هذا القول اذهبي و قال لا (اذهبي إلى ابن أم مكتوم فإنه أعمى، فإنك إذا وضعت خمارك عن رأسك، فإنه لا يراك) إلى آخر الحديث فإذن في آن واحد، يصدر من الرسول عليه السلام شيء، ثم يصدر منه شيء آخر، فهذا أكبر دليل على أنه عليه السلام يجتهد ولكن الفرق كما قلنا آنفا، وأكرر هذا على مسامعكم لكي تنتهوا إلى الحقيقة المقطوع بها، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كمثله شيء في البشر، النبي صلى الله عليه وسلم ليس كمثله شيء في البشر فهو إذا اجتهد فأخطأ لا يقر، ينبه بماذا؟ بطريقة الوحي، في حديث الدجال مثلا تجدون، إنه يقول هو في مكان كذا، ثم يقول لا، في مكان كذا، ثم يقول ثلاث تحويلات هذا كله وذاك وأشياء كثيرة وكثيرة جدا، تضطرنا أن نقول بأن الرسول عليه السلام يجتهد، ولكن اجتهاده ليس كاجتهاد العلماء حيث يموت أحدهم، ولا يؤجر على كثير من اجتهادته، إلا اجتهادا واحدا لأنه أخطأ أما الرسول عليه السلام فهو معصوم، نرجع الآن عن أن يُقر على خطأ.
السائل: جزاك الله خيرا ... الله يبارك فيك
سائل آخر: لكن هو كسنة؟
الشيخ: إيش كسنة.
سائل آخر: كسنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: الأمر طيب، ونحن احتجمنا مرارا وتكرارا والحمد لله.