فهرس الكتاب
الشيخ: ما هو السر في إعراض الجماعات الإسلامية كلها عن هذه الخطبة؟ أن أقول الأمر يعود إلى شيئين:
الشيء الأول: أنه يصدق عليهم قوله تعالى: (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) )، لكن ما أستطيع أن أقول: أنه ما طرق سمع أحدهم مطلقًا، ولا قرأ هذا الحديث في كتابٍ ما، وهو في صحيح مسلم أصح كتاب بعد كتاب الله وهو في صحيح البخاري موجود هذا الحديث فيه، لا يتصور أن أحدًا مطلقًا من هؤلاء لا علم عنده بهذا الحديث؛ إذًا ما الذي يصرفهم أو يصدفهم عن التمسك بهذه السنة؟ أقول: لأنها تخالف منهجهم، كيف؟ هذا الحديث يؤسس قاعدة لا يتمنى إلا الذين ينتسبون إلى السلف الصالح من أمثالنا: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فلا تجد الإخوان المسلمين ولا حزب التحرير ولا جماعة تبليغ، وإن كان هناك جماعات أخرى في بلاد أخرى، لا تجد منهم أحدًا يدندن حول هذه القاعدة: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ولو أنهم اعتادوا إحياء هذه السنة لاستيقظ جماهيرهم من سباتهم، ولقالوا لهم: كيف أنتم تواظبون على هذه الخطبة: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ونحن نسمعكم دائمًا تقولون: لا، هناك بدعة حسنة، والرسول يركز في أذهان أصحابه هذه القاعدة العظيمة الجليلة، وأمرها كما يقوله ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم"ردًا على بعض الناس الذين يقولون: إن هذا العموم غير مقصود: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) يزعم بعض المتأخرين أن هذا العموم، هذا المصرح به في هذا الحديث هو من العام المخصوص، ثم يأتون ببعض أشياء من الروايات منها ما يصح ومنها ما لا يصح، يزعمون أن هذه روايات مخصصة لهذه العموم، ومعنى كلامهم: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - (كل بدعة ضلالة) ، لا، أي: ليس كل بدعة ضلالة.
يقول ابن تيمية - وهنا الشاهد - وأنا أقرب ذلك بمثل:"لا يمكن أن يكون هذا النص من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العام المخصوص وهو يكرره دائمًا وأبدًا على مسامع أصحابه"في كل مناسبة يريد أن يتكلم فيها بين أصحابه يقول: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) يستحيل أن يكون هذا من العام المخصوص؛ لأن المفروض على النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي خوطب بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) )ربك يعصمك من الناس الذين قد يقصدون القضاء عليك، فيحولون اليوم وصلوا إلى هدفهم، يحولون بينك وبين تبليغ الرسالة وتوضيحها وبيانها، (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ).
ولابد لي من التذكير بأن تبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم - المذكور في هذه الآية: (( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) )يكون على وجهين: تبليغ اللفظ، وتبليغ المعنى.
هنا في غرفة فارغة من شاء أن يأتي إليّ ويقل ما في مانع، ومن شاء أن يجلس هناك فهو على اختياره، تبليغ الرسول عليه السلام الذي أُمر به في هذه الآية على وجهين: تبليغ اللفظ، وتبليغ المعنى.
تبليغ اللفظ: يعني اللفظ القرآني كما أنزله الله على قلب محمد عليه السلام، فهو مأمور بتبليغه، هذا هو النوع الأول.
الأمر الثاني الذي أُمر بتبليغه: معنى هذه الألفاظ، هذه الآيات الكريمة، وهذا هو المقصود من قوله تبارك وتعالى في الآية الأخرى: (( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) )هذه الآية غير الآية السابقة، فالآية السابقة تعني: تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى، أما هذه الآية الأخرى فإنما تعني تبليغ المعنى، بدليل: (( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ) )أي: القرآن، لماذا؟ لتبينه للناس، وبيانه عليه السلام - وهذا لا يحتاج الآن إلى تفصيل - ثلاثة أقسام: بقوله، وبفعله، وبتقريره.
فإذًا ابن تيمية - رحمه الله - يقول:"استمرار الرسول - عليه الصلاة والسلام - في تكرار هذه القاعدة: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) على مسامح أصحابه يستحيل أن يكون من العام المخصوص"لأنه المفروض عليه ولو لمرة واحدة أن يبين - بحكم ما ذكرن من الآيات - أن هذا النص العام ليس على عمومه وشموله، ولم يفعل ذلك إطلاقًا، بل هو - عليه الصلاة والسلام - من تمام تبليغه لما أمره الله به كان يؤكد هذه القاعدة العامة، فيقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ) إلى آخر ما هنالك من أحاديث أخرى، ولسنا في صددها.
أما المثال: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) مثاله: (كل مسكرٍ خمرٌ، وكل خمرٍ حرامٌ) ، لا يمكن أن نقول: ليس كل مسكر خمر، وليس كل خمر حرام، هذا ما يقوله مسلم، لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكرر هذه الكلية على مسامع أصحابه؛ تحذيرًا لهم من أن يشربوا مسكرًا، أي مسكرٍ كان سواء سُمي خمرًا أو سُمي نبيذًا، أو سُمي وسكًا، أو شمبانيا، أو أو، إلى آخره، كل هذه الأسماء تدل على مسمًى واحد وهو الخمر في اللغة العربية، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول كما سمعتم: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، كيف يمكن أن نقول لا، ليس كل مسكر خمر؟! بالتالي كيف يمكن أن أقول: لا، ليس كل بدعة ضلالة؟! وهو يقول في كل منهما: (كل مسكر خمر) ، (كل بدعة ضلالة) ، هذا هو المثال تأكيدًا لما سمعتم آنفًا مما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن هذه الكلية التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكرها دائمًا في خطبة الحاجة لا يمكن أن تكون مخصصة.
أنا الآن آتيكم بمثال عكسي، أي: لكلية خصصها الرسول، حتى تعرفوا كلام الرسول، كلام الحقيقة جمع فأوعى: سمعتم (كل مسكر خمر) ، (كل بدعة ضلالة) اسمعوا الآن التقييد كيف يكون؟ قال: (كلكم يدخل الجنة إلا م أبى) دخل الاستثناء هنا، كان يمكن أن يقول:"كل بدعة ضلالة إلا ما كان موافقًا للعبادة أو للحسنة أو ما شابه ذلك"مما تسمعونه من المؤولين إن لم نقل من المعطلين، فقال - عليه الصلاة والسلام: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى) هل يجوز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول:"كلكم يدخل الجنة"ويسكت، وهو في نفسه استثناء؟ لا يمكن هذا، فإذًا كيف يتصور هؤلاء الذين يقولون: (كل بدعة ضلالة) هذا ليس على عمومه؟ معنى ذلك: أنهم ينسبون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ما كان في باله إطلاقًا، ولو كان ذلك في باله لكان من الواجب عليه ديانةً أن يسارع ولو مرةً واحدةً إلى التصريح بالاستثناء كما قال في هذه الكلية الأخيرة: (كلكم يدخل الجنة إلى من أبى) ، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ معقول واحد يأبى دخول الجنة؟! معقول ومش معقول، واسمعوا تمام الحديث، فهو كما يقال في لغة العصر الحاضر"يضع النقاط على الحروف"، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار) .
فإذًا كل كلية تأتي في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فضلًا عن الآيات القرآنية ولم يأتِ ما يخصصها، فيجب إبقاؤها على إطلاقها وبخاصة إذا كانت مثل كلية: (كل بدعة ضلالة) التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكررها على مسامح أصحابه بكل مناسبة.
نعود: لماذا لا يحافظ جمهور الدعاة الإسلاميين اليوم على هذه الخطبة المباركة التي سماها العلماء بخطبة الحاجة؟ أي: من أراد أن تقضى حاجته العلمية فليقدم بين يدي العلم خطبة الحاجة النبوية، لماذا يعرضون عنها؟ لأنها تخالف منهجهم، ليس من منهجهم ما نهجه الرسول عليه السلام في هذه الخطبة"خطبة الحاجة"وهي: ذم عموم البدعة، وذلك في الدين وفي العبادة؛ فلذلك قلنا في تلك الجلسة هناك ما ذكرنا لكم آنفًا في: لا يكفي أن نتحمس، كل جماعة، كل حزب، كل طائفة تتحمس لجماعتها، وتنطلق بدون علم وبدون وعي، فننصح هؤلاء الذين يخرجون وأولئك الذين لا يخرجون، ولكن يتكتلون، وأولئك الذين يشتغلون دهرهم بالسياسة، وكثيرٌ منهم لا يعرفون أن يحجوا وأن يصلوا وأن يصوموا على السنة، نأمرهم جميعًا بأمر الله ورسوله أن يتعلموا: (( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) )كلا، لا يستوون.
فعلى هذا نقول: