فهرس الكتاب
الشيخ: كنا نح في دمشق حينما نحضر بعض المساجد وبخاصة المسجد الكبير هناك، مسجد بني أمية، تقام هناك دروس من أنواع مختلفة، ومنها درس في الحديث، وكان يلقيه في شباب حياتي من لابد أنكم تسمعون به الشيخ بدر الدين الحسيني، الذي هو والد الشيخ تاج، الذي كان في بعض مراحل الحكومات السورية كان رئيس جمهوريتها، الشيخ تاج هو ابن الشيخ بدر الدين، الشيخ بدر الدين الحسيني.
كان يلقي درسه في الحديث في وسط المسجد، ويُعرف هناك في دمشق تحت قبة النثر، هذه القبة أكبر قبة في وسط المسجد في أعلى المسجد، فكانت تقام هناك الحلقة والشيخ يحدث بالحديث، وكان يجري في تحديثه على الطريقة المتبعة عند علماء الحديث قديمًا، وهو أن يحدث الحديث بالسند، إما أن يكون الحديث مما تلقاه عن بعض مشايخه بالسند، وحين ذاك يكون السند أطول من المتن بكثير وكثير جدًا، ثم لا يستفيد أحد من الحاضرين منه شيئًا مطلقًا، وأحيانًا ينقل الحديث مع السند من بعض الأمهات، الكتب الستة وغيرها.
والشاهد: الحلقة واسعة جدًا، يمكن يكون قطرها أكثر من ستة أمتار في ستة أمتار، فهل يلام هؤلاء حينما يتفرقون هذا التفرق؟ ومدرس الحديث لا يروي لهم مثل هذا الحديث وهو في صحيح مسلم: (ما لي أراكم عزين؟) والحديث الذي في مسند الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا إذا سافرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلنا منزلًا تفرقنا في الوديان والشعاب، فقال لنا - عليه الصلاة والسلام - ذات يوم: (إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) أي: يتفرقون في المسجد؟ لا، في الصحراء، في البرية، كل طائفة أو جماعة ينتحون ناحية فضللونا بأشجارها وبسدرها ونحو ذلك، مع ذلك أنكر ذلك عليهم، وقال: (إنما تفركم هذا من عمل الشيطان) ، قال أبو ثعلبة: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلًا اجتمعنا حتى لو جلسنا على بساطٍ لوسعنا، وهذا أين؟ في الصحراء، فما بالكم بمجالس العلم؟!
ولذلك فخلاف السنة تكبير الحلقة، وإنما تصغيرها ما أمكن ذلك، ولذلك فجلوسكم هكذا صفين فقط، ويبقى هنا فراغ يمكن إملاؤه يكون خلاف السنة، ونحن نذكر في هذه السنة دائمًا وأبدًا أن مثل هذا التوجيه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومثل هذا الاهتمام بتجميع المسلمين في أبدانهم وفي أشخاصهم لم يكن ذلك من باب الاهتمام بالظاهر فقط دون إصلاح الباطل، ذلك لأنه من المقرر شرعًا أن إصلاح الظاهر يساعد على إصلاح الباطن، وهذا صريح في قوله - عليه السلام - المعروف: (ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) .