فهرس الكتاب

الصفحة 3630 من 7959

الحويني: شيخنا، شيخنا معلوم رأيكم فيما يتعلق بدخول المجالس النيابية ومجالس الشعب وإباحة المظاهرات والإضراب عن الطعام في السجون ونحو ذلك، لكن قالوا إن الحكومات القائمة الآن أصبح لا يُنال الحق إلا باتخاذ مثل هذه الإجراءات، فلا أستطيع مثلًا أن أواجه رئيس الجمهورية بكلمة حق فأقول له: اتق الله وطبق شرع الله إلا إذا كنت نائباًَ في البرلمان، فيقولون: وتبليغ هذه الكلمة واجبة بالنسبة للحاكم أو غيره وكذلك الحكومات تهاب المظاهرات وهياج الشعب فذاك يستجيبون لمطالبهم فيقولون وهذه الأشياء واجبة واجب التبليغ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولذلك هذه الأشياء مباحة من هذا الباب. فما قولكم جزاكم الله خيرًا.

الشيخ: أولًا: لا نسلم بقولهم بأنه لا سبيل إلى تبليغ كلمة الحق إلى الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله إلا بأن يكون الرجل نائبا في البرلمان وبخاصة إذا أُلْحِق بذلك أن تكون المرأة أيضًا نائبةً في البرلمان، لا أسلم بصحة هذه الدعوى فإنه من الممكن أن يتكلم الإنسان كلمة حق بطريق الجرائد والمجلات والوسائل وو إلى آخره ...

فالطُرق لإبلاغ كلمة الحق إلى المسئولين وبخاصة أن الملك أو رئيس الجمهورية أو من يشبهه من رؤساء أنهم هم يتسترون بمن دونهم من الوزراء ثم هؤلاء يتسترون بمن دونهم من النواب ونحن نعرف في هذه الحياة البرلمانية التي نعيشها في كثير من البلاد الإسلامية أنها -وهذه يمين بالله وقلما أحلف- أنها تكوءات وستائر يعتمدون عليها لتنفيذ ما يريدون من مخالفة الأحكام الشرعية، فوجود هؤلاء في البرلمانات لا يفيدهم شيء والتاريخ والتجربة في نحو نصف قرن من الزمان أكبر دليل أن وجود المسلمين الطيبين الصالحين في البرلمانات هذه لا يفيدون شيئًا بل قد يضرون أولًا بأنفسهم لأنهم يدخلون ليصلحوا غيرَهم فإذا بغيرِهم قد أفسدهم، وهذا يُشَاهد في كثير من المظاهر يدخل مثلًا المسلم التقى الصالح الملتزم للسمت والدل والهدي الإسلامي له لحية جليلة وله قميص ولا يتشبه بالكفار بلبس الجاكيت والبنطال ونحو ذلك وإذا به بعد مضي شهر أو شهور أو سنه أو سنتين تراه قد تغيَّر مظهره لماذا؟ لأنه لم يستطع أن يثبت شخصيته المسلمة تجاه هذه الشخصيات التي أقل ما يقال فيها إن مظاهرهم ليست إسلامية، فإذا هو دخل في سبيل الإصلاح وإذا به أفسد نفسه فضلًا عن أنه لم يتمكن من أن يصلح غيره. لا أريد أن أستطرد في هذا ولكني أريد أن أقول بأن هذه الحجة أولا حجة داحضة فبإمكان المسلم الغيور الحريص على تبليغ كلمة الحق إلى المسئولين في البرلمان بأي طريق من النشر وما أكثر وسائل النشر في العصر الحاضر. ثانيًا: طريقة الانتخابات واختيار النواب هذه ليست طريقة إسلامية أبدًا، هذه طرق برلمانية أوربية كافرة لو افترضنا الآن أن حكم إسلاميًا قام على وجه الأرض ما بين عشية وضحاها وعسى أن يكون ذلك قريبا بهمة المسلمين وليس بتواكلهم عن العمل، قام الحكم الإسلامي أترون أن هذا الحكم الإسلامي سيقر هذه البرلمانات التي تفتح مجال ترشيح الصالح والطالح وليس هذا فقط بل والمسلم والكافر الذي له دين وليس هذا فقط بل الكافر من أهل الكتاب الذين لهم حكم خاص في بعض المسائل في الإسلام والملاحدة والزنادقة والشيوعيين كل هؤلاء يُعطى لهم الحرية في أن يرشحوا أنفسهم وأن ينتخبهم من شاء من أفراد الأمة. أهذا هو نظام إسلامي؟!! لا والله، ليس من الإسلام بسبيل إنما هذا نظام من لا يخضع لمثل قول رب العالمين: (( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ).

إذن في انضمامنا إلى البرلمانات هذه القائمة على غير النظام الإسلامي مثلُنا دون المثل الذي يقول:"مثل فلان كمثل من يبنى قصرًا ويهدم مصرا"هؤلاء يهدمون قصرًا ومصرًا في آن واحد لأنهم لا يفيدون شيء بمثل هذا الانتماء للبرلمانات، والحق والحق أقول إن للنفس هنا دخلًا كبيرًا لأن النفس تحب التميز والترفع والتوظف في الكراسي العالية ليقال فلان وزير فلان نائب الوزير إلى آخره. فالنفس تسوِّل لصاحبها بمثل هذه التأويلات أنها تدخل لتبليغ كلمة الحق إلى الحاكم الذي لا سبيل لنا إليه إلا بطريق البرلمان. الجواب هذا الكلام أولا غير مسلم وثانيًا أن هؤلاء الذين يدخلون البرلمانات في أي بلاد الإسلام لا يستطيعون أن يغيروا شيئًا من النظام القائم لأن هذا النظام القائم هو الذي سيحول الأفراد الذين انضووا تحت هذا النظام وقد يستطيعون أن يعملوا شيئا من الشكليات أما التغيير الجوهري فهذا لا سبيل للوصول إليه بطريق الانضمام كنواب في هذه البرلمانات. أخيرا أريد أن ألفت النظر إلي شيء أدندن حوله كثيرا وكثيرا جدا، هل هذا هو سبيل إعادة الحكم الإسلامي وتحقيق المجتمع الإسلامي أن ننضم تحت دستور لا يحكم بما أنزل الله؟ -وفاقد الشيء لا يعطيه- لا أنا أعتقد أن الطريق لتحقيق المجتمع الإسلامي وبالتالي إقامة الدولة المسلمة إنما يكون على طريقة محمد عليه الصلاة والسلام الذي وضع لنا منهجا عاما وعبَّر عنه بكلمة موجزة: (خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم) فهل انضم الرسول عليه السلام إلى كفار مكة في سبيل إصلاحهم بالطريقة الناعمة اللطيفة كما يفعل هؤلاء الذين يريدون أن ينضموا إلى البرلمانات، أم صدع بكلمة الحق خاصة كلمة التوحيد: (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ). لقد استمر النبي صلى الله عليه وسلّم كما تعلمون جميعًا ثلاثة عشر سنة وهو يدعو الناس إلى التوحيد وفى أثناء هذه السنين كان يربيهم عليه الصلاة والسلام على علمه بالأخلاق الإسلامية بأن يؤثروا الحياة الآخرة على الحياة الدنيا فهل سلكنا هذا السبيل؟ الجواب: إن هؤلاء الذين يريدون الإصلاح بطريق الانتماء للبرلمانات لقد نسوا طريق الحق وهو التصفية والتربية كلمتان أدعو المسلمين إلى الوقوف عندهما وتفهمهما جيدًا والعمل على تطبيقهما. التصفية: نحن الآن في أول القرن الخامس عشر من الهجرة وبيننا وبين العهد النبوي الأطهر الأزهر الأنور أربعة عشرة قرنًا دخل في الإسلام ما ليس منه ليس فقط في السلوكيات والأخلاق ولا في العبادات وإنما دخل أيضًا في العقيدة ما ليس من ذلك فأين المرشدون وأين المربون الذين يربون الجماعات الإسلامية التي تكون بالألوف المؤلفة على التصفية والتربية!! لذلك أنا لا أرجو أبدًا أن تنهض جماعة من المسلمين وتكون لهم الصولة والدولة إلا على الطريقة التي جاء بها الرسول عليه السلام. وتلخيص ذلك العلم النافع والعمل الصالح، العلم النافع اليوم بيننا وبين الوصول إليه عقبات كأداء شديدة جدًا فيجب تذليلها وتقريب هذا العلم النافع إلى أذهان الناس بهذه الكلمة التي أسميها بالتصفية مقرون معها التربية ونحن نجد الآن كثيرًا من الدعاة الإسلاميين ليسوا هم أنفسهم لم يرَبوا على الإسلام الصحيح بل ذووهم أيضًا وأهلهم وأولادهم ونساءهم، فإذا لم نحقق المجتمع الإسلامي على هذا الأساس الصحيح من التصفية والتربية فلن تقوم دولة الإسلام بطريق البرلمانات أبدًا وإنما هذا تعويق للمسيرة الإسلامية التي يجب أن نمشي عليها إن شاء الله. نعم.

الحويني: شيخنا يقولون أيضًا في هذا أن البطانة والحاشية تحجب عن الحاكم الجرائد التي تنبهه وتأمره بتقوى الله عزَّ وجلَّ فلا يصل إلى الحاكم هذه الكلمة، ويقولون أيضًا سلِّم لنا أنه لا طريق إلى تبليغ الحاكم بشرع الله إلاَّ المواجهة الصريحة فهل هذا يسوغ أيضًا بالقاعدة السابقة دخول البرلمانات؟

الشيخ: المواجهة قبل كل شيء يجب تحقيق ما أشرت إليه آنفًا من التصفية والتربية وحينما توجد كتلة تُعد بالألوف المؤلفة رُبُّوا وعلِّموا وكانوا على قلب رجل واحد يومئذ يمكن أن تتحقق المواجهة المزعومة وهذا اليوم أبعد ما يكون بدليل أيضًا الحوادث التي وقعت هنا مثلا بالحجاز وما وقع في مصر عندكم، وما وقع عندنا في سوريا وما قد سيقع لا سمح الله في بلاد أخرى بسبب هذه الثورات الإسلامية التي لم تقم على أساس من التصفية والتربية فسوف تكون عاقبة ذلك سوءًا وتكون غير مرضيه بل ستكون سبب لتعويق استمرار الدعوة الإسلامية إلى الإمام. فلذلك فنحن ننصح إخواننا الذين يشاركوننا في الاهتمام بالرجوع إلى الكتاب والسنة أن لا يستعجلوا الأمر وأن يربوا أنفسهم وأن يربوا ذويهم على هذا الإسلام الصحيح وأن يدعوا الحكام يفعلون ما يشاءوا لأننا لا سبيل لنا إليهم ولنتصور الرسول وحياته في مكة وماذا كان يصيبه ويصيب أصحابه، من الكفار؟ ما وقفوا أمامه يجابهونهم ويواجهونهم لسببين اثنين: أولًا أنَّ التربية التي ينبغي أن تتحقق في المسلمين لمَّا تكن قد تحققت فيهم، وثانيًا ربنا يقول: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) )إلى آخر الآية ... لم يكن المسلمين يومئذ مما يمكنهم أن يجابهوا العدو أولًا بإيمانهم القوي وثانيًا باستعدادهم المادي.

فلذلك ننصح هؤلاء أن لا يتغلب عليهم الحماس والكره لهؤلاء الحكام وحُقَّ لهم ذلك لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله وإنما عليهم أن يتأنوا وأن يربوا أنفسهم ومن حولهم على الإسلام الصحيح وإلا فقد قيل قديمًا:"من استعجل الشيء قبل أوانه أبتلي بحرمانه". والآن ينشغلون بتحضير الطعام فحسبنا هذا الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت