الشيخ: وأنا لا أذهب بكم بعيدًا، ولا أكثر على مسامعكم الضرب من الأمثلة الكثيرة، لكن حسبي مثال واحد؛ لأنه أولًا: يشترك الجميع في فهمه لسهولته، وثانيًا: لكثرة ابتلاء الناس به، ألا وهو مسألة تتعلق بصحة الصلاة أو الوضوء أو بطلانهما، ألا وهي خروج الدم مثلا من بدن الإنسان، فهناك في المذاهب المعروفة اليوم لأهل السنة ثلاثة أقوال في مسألة واحدة: القول الأول: أن خروج الدم ينقض الوضوء مهما كان قليلًا. وعلى العكس من ذلك تمامًا لا ينقض الدم مهما كان كثيرًا. ومذهب وسط بين هذا وهذا فصَّل وقال: إن كان كثيرًا نقض، وإن كان قليلًا لم ينقض. هذه ثلاثة أقوال في مسألة يُبتلى فيها الناس في كل يوم ما شاء الله، وعلى حسب ... وصنائعهم هل عاد المسلمون في هذه المسألة إلى السنة؟ التي قال الرسول - عليه السلام - فيها: (تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يضل) ، وفي رواية: (لا يزيغ عنها إلا هالك) بقيت هذه الأقوال كما هي، فمن كان حنفيًا يقول ينقض الوضوء مهما كان قليلًا، ومن كان شافعيًا يقول لا ينقض مهما كان كثيرًا، ومن كان مالكيًا أو حنبليًا قال بالتفصيل السابق. اليوم إذا أصيب أحد المسلمين بجرحٍ في بدنه، فعلى ماذا يكون الفتوى؟ على قال الله، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا الذي أمرنا بالرجوع إليه عند الاختلاف، وهذا هو الاختلاف في مسألة بسيطة جدًا، الجواب: لا، بل إن الذي قد يُسألون يكون موقفهم أحد موقفين: إما أن يقول للسائل أنت ما مذهبك؟ فإذا أجابه مذهبي كذا، أفتاه على مذهبه. والموقف الثاني: أن يقول والله المسألة مختلف فيها، وذكر الأقوال الثلاثة، إذا كان دارسًا للفقه الذي يسمى اليوم بـ"الفقه المقارن"يقول أبو حنيفة قال كذا، والشافعي قال كذا، والإمامان الآخران قالا كذا، إذا كان السائل قليلا بصير فِتح يقول طيب يا شيخ، أنا على ماذا أعمل؟ هنا لسان حال المسئول: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، لماذا؟ لأنه فعلًا درس، قال فلان، وقال فلان، وقال فلان، لكن ما درس العلم الذي هو قال الله، قال رسول الله؛ ولذلك فيعيش الخاصة، فضلًا عن العامة في حيرة، في حيرة من دينهم، وفي الغالب يلجأ الناس حينما لا يجدون فتوى صارمة ملزمة سواء بالتحريم أو بالإباحة بالرخصة أو بالعزيمة يعودون حين ذلك فيما يسمى عند الفقهاء المتأخرين بالتلفيق، فهو يأخذ من كل مذهب أيسره، ليس هذا هو الدين، الدين جاء لتهذيب النفوس وليس لإتباع الهوى، فأنت مثلًا عشت على المذهب الحنفي، فوجدت والله أن خروج الدم خاصة إذا كنت حدادا أو نجار، والله فيها صعوبة أو فيها مشكلة، إذًا أنا أقلد المذهب الشافعي، أو عشت في المذهب الشافعي وأنت مثلًا قماش بزاز، تبيع الأقمشة، والنساء رايحين جايين لعندك، لما بدكك تقبض الفلوس منها، شئت أم أبيت يصير في تماس، المذهب الشافعي يقول انتقض وضوؤك، إذًا ترجع أنت في هذه المسألة حنفي، هكذا هو الإسلام الذي جاء لتزكية النفوس؟! (( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) )، إن الله - عزَّ وجلّ - قد بيّن في الكتاب كل شيء، وإن كان هذا البيان في أكثر الأحيان يكون بالأسس والقواعد، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي تولى تفصيل ذلك في السنة، كما قال عزِّ وجلّ: (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) )إني لأشعر بأنني استطردت كثيرًا؛ لأني أردت أن أقول ما هو العلم النافع؟ وما هو العمل الصالح؟ ولذلك فسوف أحاول أن أكبح من جماح انطلاقي في بحثي لأعود شيئًا قليلًا إلى ... العلم القائم على العلم النافع، ثم بعد ذلك لعل هناك بعض الأسئلة لبعض الإخوان نجيب عليها بقدر الإمكان فأقول: