فهرس الكتاب

الصفحة 4946 من 7959

«الحكمة من النهي عن الافتراق وعدم الإنضمام في المجالس(شرح قول أهل العلم: إصلاح الظاهر يؤدي إلى إصلاح الباطن مع ذكر المثال وهو تسوية الصفوف)»

الشيخ: والحكمة من مثل هذا الأمر يعرفه من درس الإسلام في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يراها واضحة جلية، بل قد يعرفها من لا علم له بالكتاب والسنة إطلاقًا إذا ما كان له دراسة ما فيما يسمى اليوم بعلم النفس، ذلك لأن الشرع قرر قبل أن يُعرف بين الناس اليوم مثل هذا العلم الذي يُسمى علم النفس، لقد قرر صراحة في نصوص كثيرة جدًا: أن الاختلاف في الظاهر سبب مؤثر في اختلاف الباطن، ومعنى هذا: أن على المسلمين جميعًا أن يهتموا بإصلاح ظاهرهم كما يهتمون بإصلاح بواطنهم، وألا يتكاسلوا وأن يدعوا قلة الاهتمام بإصلاح الظاهر بحجة أن العبرة بإصلاح الباطن فقط، ذلك لأن الإسلام ربط بين الأمرين ربطًا وثيقًا ولم يفصل بين صلاح الظاهر وبين صلاح الباطن، بل جعلهما صنوين يعاون أحدهما الآخر على التمام وعلى الكمال.

من أقوى الأدلة على ذلك والمعروفة في السنة الصحيحة المتفق عليها بين الشيخين البخاري ومسلم، حيث أخرجا عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) .

الشاهد: فيما سيأتي: (ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) .

فإذًا صلاح الجسد بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح الجسد، وبينهما ما يشبه، ما يسمى بالحركة الدائمة، كل منهما يساعد الآخر، فمن الخطأ الفاحش فحشًا جليًا ظاهرًا، ما نسمعه من كثير من الشباب الذين أهملوا بالقيام بكثيرٍ من الفرائض والواجبات مثل الصلاة والصيام مثلًا، إذا قيل لهم ألا تصلون؟ ألا تصومون؟ يكون جوابهم: العبرة يا أخي بما في القلب، والدين المعاملة - يزعمون - وأنا ما بغش وما أخون، وما أكذب .. إلى آخر ما يشبه هذه الكلمات، هذا جهل فظيع جدًا بهذه الحقيقة الشرعية أولًا، ثم بالحقيقة النفسية ثانيًا، أن الظاهر يؤثر في الباطن تأثيرًا لا يشعر به الرجل الذي لا يهتم بإصلاح ظاهره.

أنا بطبيعة الحال لا أريد أن أقول لإصلاح الظاهر يعني إصلاح الملبس والمسكن ونحو ذلك، وإن كان هذا أقل ما يقال فيه: إن الإسلام لا ينهى عنه، ولكن أعني بذلك إصلاح الأعمال التي تصدر من الإنسان مما حضّ عليه الشرع، سواء كان الحض في حدود الفرائض والواجبات أو في حدود السنن والمستحبات، هذه الأعمال هي التي تكون سببًا لتقوية القلب وإصلاحه.

انظروا مثلًا: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلًا عمليًا يتحقق هذا المثل سلبيًا أو إيجابيًا في كل يوم خمس مرات، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح هذا المعنى السابق في حديث النعمان بن بشير، أن الظاهر صلاحه يؤثر في صلاح الباطن والعكس بالعكس تمامًا، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من سنته التي كان يهتم بها حينما تقام الصلاة في المسجد ألا يباشر بتكبيرة الإحرام إلا بعد أن يأمر بتسوية الصفوف، وكان أمره بعبارات عديدة والتي يهمنا منها الآن: إنما هو قوله عليه الصلاة والسلام: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) تسوية الصفوف عمل ظاهري، وهذا مثال مما عنيته سابقًا بإصلاح الظاهر كمثال يلحق بمثال الجلوس في المجلس أو في المسجد متضامين غير متفرقين، هذا عمل ظاهري لكن له تأثيرًا في الباطن، في القلب تأثيرًا بالغًا عظيما، ولذلك قال عليه السلام: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) أي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت