الحويني: ذهبت أنا وأحد الإخوة لمعرض السيارات فاختار سيارة قيمتها ثمانية آلاف ريال، على أن يعطينى كل شهر ألف ومائتا ريال، وتكون عليه زيادة خمسة آلاف أي يكون عليه ثلاثة عشر ألف ريال وقد وصلني منها أربعة آلاف فهل في هذا شيء من الحرام أم لا؟.
الشيخ: المقابل ماذا؟ أخذ الزيادة؟.
الحويني: يبدو أن المقابل إعطاء المبلغ.
الشيخ: القضية ربوية مكشوفة ما يحتاج إلى سؤال لأن هذا قرض جر نفعا.
الحويني: لكن ممكن يقول أنا يعني السيارة بيني وبينه ليس مالا بمال إنما مال ودخله سيارة في النصف؟.
الشيخ: حيلة، هذا يقع فيه كثير من الناس اليوم.
الحويني: يقصد بيع التقسيط.
الشيخ: لا يجوز، قال عليه الصلاة والسلام: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) ، والشارع الحكيم قد حرم الحيل الشرعية وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، الحديث الذي جاء في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله عزوجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) ، الشاهد من هذا الحديث أن الله عزوجل لما حرم على اليهود كما قال في القرآن الكريم: (( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) )، كان من هذه الطيبات التي حرمت على اليهود الشحوم، فكان الواجب عليهم إذا ذبحوا الذبيحة أن يستفيدوا من لحمها وأن يرموا بشحمها الأرض، فلم يصبر اليهود على هذا الحكم الإلهي العادل، فماذا فعلوا؟. أخذوا الشحوم ألقوها في القدور، ثم أوقدوا النار من تحتها، فأخذت شكلا آخر، وبذلك زين لهم الشيطان سوء عملهم وأوهمهم أن هذا الشحم صار شيئا آخر غير الشحم المحرم، فأخذوا الشحم وجملوه أي ذوبوه وباعوه وأكلوا ثمنه، الشاهد أن الله عز وجل أدَّبَنَا بمثل حديث نبيه هذا وأمثاله، أنه لا يجوز للمسلم أن يحتال على استحلال ما حرم الله عز وجل بأدنى الحيل. ونكاح التحليل الذي معلوم لدى الحاضرين إن شاء الله هو نكاح توفرت فيه شروط النكاح المشروعة عادة، ولكن لماذا جعله الشارع الحكيم نكاحا باطلا ولعن المحلل والمحلل له؟، لأنه لم يقصد به ما يقصد به عادة من الزواج الشرعي الذي أشار إليه ربنا عز وجل في قوله تبارك وتعالى: (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) )، لما لم يكن المقصود من نكاح التحليل هو تحقيق هذا السكن وهذه الألفة بين الزوجين، وإنما كان المقصود به تحليل ما حرم الله بقوله: (( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) )، وهذا تأديب من الله عز وجل للذي يطلق زوجته الطلقة الثالثة، حتى ما يعتاد الناس أن يطلقوا ثم يندموا على تطليقهم، فيأتي هذا المحلل فيُعجل رجوع المرأة إلى زوجها الذي طلقها ثلاثا والله عزوجل يقول: (( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) )، تنكح نكاحا شرعيا كما فعلت من قبل فلما كان هذا المحلل يقصد تحليل ما حرم الله كان ملعونًا في حديث الرسول عليه السلام المعروف: (لعن الله المُحَلِّل والمحلَّل له) . والآن نعود إلى الصورة السابقة، أو إلى بيع التقسيط، لو أنا جئت إلى زيد من الناس غني، قلت له أقرضني ألف جنيه أريد أن أشتري سيارة، أقرضني ألف جنيه لوجه الله، يقول أفعل لكن بشرط أن تعطيني ألف ومائة - مثلا - هذا بإجماع علماء المسلمين حرام لأنه ربا مكشوف وقرض جر نفعا.
الآن ندخل الواسطة أنا أريد أن أشترى سيارة فيقول لي اذهب أنت واشتر السيارة وأنا أدفع عنك وهذه يتكلف - مثلا- عشرة آلاف تدفعها عشرة آلاف ومائة. إيش الفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى؟، لا فرق أبدًا سوى أنه دخلت السيارة واسطة لتحليل ما حرم الله، وأما النتيجة واحدة، لأنه لو أعطاني قيمة السيارة وأخذ مني ربا فهذا ربا مكشوف، لكن هو لا يرضى أن يعطيني السيارة يقول روح خذ السيارة ثم يأخذ مني قيمة سيارة والربا عليها -كل الدروب على الطاحون- لذلك قال عليه السلام: (من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا) ، فأنا أدري أن بعض العلماء قديما وحديثا يتأولون هذا الحديث بتأويل فيخرجون به عن بيع التقسيط، ولهم في ذلك تآويل كثيرة. لكن أنا من مذهبي ومشربي أولًا أنني أفسر الأحاديث بعضها ببعض، وثانيًا أرجع في تفسيرها إلى السلف وبخاصة منهم من كان راويا لبعضها، وقد روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد قوي عن سِمَاك بن حرب -وهو من التابعين- روى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعتين في بيعة"وفي لفظ:"عن صفقتين في صفقة"، فقال رجل لسِمَاك راوي الحديث"ما بيعتين في بيعة؟"، قال: أن تقول:"أبيعك هذا نقدا بكذا، ونسيئة بكذا وكذا". هذا هو بيع التقسيط يفسر به راوي الحديث سماك بن حرب حديث:"نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعتين في بيعة"، قال: أن تقول:"أبيعك هذا بكذا دينار -مثلا- نقدا، وبكذا وكذا دينار ودرهم نسيئة". هذا الدرهم مقابل ماذا؟، مقابل النسيئة فإذن لا فرق بين أن تكون الزيادة التي تسمى زيادة مقابل الأجل في البيع أو في القرض، البيع هنا وسيط لاستحلال ما نهى الله عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والذين يذهبون إلى إباحة بيع التقسيط وهم يعلمون مثل هذه الأحاديث يفسرونها بأن النهي عن بيعتين في بيعة إنما هو لجهالة الثمن، لأن البائع يعرض ثمنين ثمن النقد وثمن الأجل، فحينما ينفصل الشاري عن البائع بأحد الثمنين يقولون -فلست معهم بطبيعة الحال- لأنه ينفصل ولم يتعين أي الثمنين، هو الذي اعتمد عليه بينهما.
أنا أقول مثل هذا التأويل أولًا يخالف التعليل المذكور في الحديث الأول، ذلك لأن هذا التعليل الذي نقلته آنفًا عن بعضهم هو تعليل بجهالة الثمن، وهذه الجهالة تنافي العلة الشرعية وإذا دار الأمر في تعليل حكم شرعي بين علة عقلية، وبين علة شرعية، لا شك أن العلة الشرعية هي التي يجب الاعتماد عليها دون العلة العقلية، ما هي العلة الشرعية هي التي يجب الاعتماد عليها دون العلة العقلية. ما هي العلة الشرعية؟ سبق ذكرها آنفًا في قوله عليه السلام: (من باع بيعتين في بيعة) ؛ نهى عن بيعتين في بيعة هذا يلتقي مع هذا الشطر من هذا الحديث. (من باع بيعتين في بيعة) هذا حديث أبي هريرة.