«كلمة ألقاها الشيخ حول معنى قوله تعالى"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون"الآية.»
الشيخ: أريد أن ألقي كلمة بين يدي الأسئلة عسى الله عز و جل أن ينفع بها لكن نرجو الإنتباه والإستماع. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا ً ) ) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) )
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد فكلمتي الآن جواب عن سؤال لم يعتد الناس أن يطرحوه، وهم في الواقع في حاجة إلى أن يذكروا بجوابه، ألا وهو لماذا خلق الله الخلق من الملائكة والإنس والجن؟ الجواب في القرآن الكريم، وبطبيعة الواقع لا أقدم إليكم شيئًا مجهولًا في ظني لدى كافة المسلمين، وإنما هي أولًا الذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. وثانيًا أريد أن أربط بهذا التذكير أمرًا قد يكون كثير من الناس عنه غافلين.
فجواب ذاك السؤال في قوله تبارك وتعالى في القرآن الكريم (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) )إذن هذه الآية تعطينا الغاية والحكمة التي من أجلها خلق الله عز و جل الإنس والجن، ومن باب أولى الملائكة الذين وصفهم ربنا عز وجل في القرآن الكريم بقوله (( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) )هذه الحكمة هي أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، خلق الإنس والجن لماذا؟ ليعبدوه وحده لا شريك له ولكن الله عز و جل أضاف لهذه الحكمة. التي بينها قوله تبارك وتعالى (( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) )
لماذا ذكر ربنا عز وجل (( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ) )؟ أي لكي لا يهتم المسلم برزقه اهتمامه بعبادة ربه، أي يجب عليه أن يهتم بما من أجله خلق، وليس أن يهتم بالرزق؛ لأن الرزق قد تكفله الله عز وجل لعباده و قدره منذ أن كان جنينًا في بطن أمه، كما تعلمون من الأحاديث الصحيحة، التي جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أن الله تبارك وتعالى يرسل ملكًا إلى الجنين وهو في بطن أمه، فينفخ فيه الروح بعد أن جاوز الأربعة أشهر، ويسأل ربه عن عمره، عن رزقه، عن أجله، عن سعادته أو شقاوته، كل هذا قد سجل، كما جاء في قوله تبارك وتعالى على قولٍ من أقوال المفسرين في قوله عز وجل (( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) )فالله عز وجل قد قدر الرزق منذ القديم، ولذلك فلا ينبغي للمسلم أن يهتم برزقه وأرجو الانتباه! لا أقول أن لا يهتم بالسعي وراء رزقه، لا. وإنما أعني وأصرح فأقول لا ينبغي أن يهتم المسلم بتحصيل رزقه بقدر ما يهتم بعبادة ربه تبارك وتعالى؛ لأن الرزق مقطوعٌ مضمون، وإن كان هذا الكلام لا نعني به أن لا يسعى المسلم وراء رزقه، لكن إنما نعني أن لا يجعل الغاية من حياته هو أن يسعى وراء رزقه؛ لأن الغاية كما علمتم إنما هي عبادة الله وحده لا شريك. ولكي لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ حينما نلفت النظر إلى الإهتمام بتحقيق الغاية الشرعية التي من أجلها خلق الله عز وجل الإنس والجن لكي لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ أننا نأمر بما يظنه بعض الناس أنه توكل على الله حينما لا يسعى وراء الرزق، فأقول ليس الإعراض عن السعي وراء الرزق توكلًا على الله تبارك وتعالى؛ وإنما هو توا كل واعتمادٌ على العبد أو على العبيد الذين لا ينبغي أن يعتمد المسلم في تحصيله لرزقه على غير ربه تبارك وتعالى؛ ذلك لأن السعي وراء الرزق بالحد المطلوب شرعًا، وبقدر أن لا يبالغ في طلب الرزق، ومن المبالغة في طلب الرزق ما سأدندن حوله، وهو أن يطلب الرزق من أي طريقٍ كان، لا يهمه أجاءه الرزق بسببٍ حرامٍ أو حلالٍ، فالذي نريده أن السعي وراء تحصيل الرزق بالقدر المشروع يعتبره الشارع الحكيم من الجهاد في سبيل الله عز وجل. أن السعي وراء تحصيل الرزق بالوسائل المشروعة، وبالقدر المشروع الذي لا يجعله غايته من حياته كما ألمحت إلى ذلك آنفاه هذا السعس وراء الرزق يعتبره الشارع الحكيم من الجهاد في سبيل الله عز و جل فقد جاء في الحديث الصحيح (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان جالسًا يومًا وحوله أصحابه، حينما مر رجلٌ شابٌ جلدٌ قويٌ عليه آثار النشاط والشباب، فقال أحد الحاضرين لو كان هذا في سبيل الله) أي لو كانت هذه الفتوة وهذا الشباب والقوة في سبيل الله عز وجل، يتمنى أحد الحاضرين أن يكون هذا الشاب المار بهذه القوة والفتوة يجاهد في سبيل الله عز وجل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ملفتًا نظر من حوله أولًا، ثم من سيبلغهم هذا الحديث ثانيًا، إلى أن السعي وراء الرزق كما قلت آنفًا هو من الجهاد في سبيل الله عز وجل، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم مجيبًا ذلك الصحابي الذي تمنى أن يكون شباب ذلك الرجل المار وقوته في سبيل الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام (إن كان هذا خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أهله وأولاده الصغار فهو في سبيل الله) إذن السعي وراء الرزق هو من الأمور المرغوب فيها، والتي حض الشارع الحكيم عليها، ولكن على اعتبار أنها وسيلة وليست غاية المسلم في هذه الحياة، إنما غايته أن يعبد الله عز وجل وحده لا شريك له، وسعيه وراء الرزق ليتمتع بالقدرة والقوة على القيام بما فرض الله عز وجل عليه من الجهاد، ليس فقط في قتال الأعداء الذين حرمنا مع الأسف الشديد في عصرنا هذا من هذا الجهاد، وإنما على الأقل في الجهاد جهاد النفس الأمارة بالسوء، التي تتطلب القيام بكثيرٍ من الفروض والواجبات، ومنها مثلًا الصلاة التي هي الركن الثاني بعد الشهادتين في الإسلام. فمن كان هزيلًا، ومن كان مريضًا لا يسعى لتقوية بدنه بما أنعم الله عليه من رزقٍ؛ فقد لا يستطيع أن يقوم بما فرض الله عز وجل من عليه الجهاد سواء كان هذا الجهاد النفسي العام، الذي عبر عنه الرسول عليه السلام في الحديث الصحيح حين قال (المجاهد من جاهد نفسه لله) وفي رواية (هواه لله عز وجل) هذا الجهاد يتطلب كما ألمحت آنفًا إلى أن يكون المسلم قويًا في جسده، كما هو قويٌ في عقيدته وفي معانيه الإيمانية الإسلامية. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى وجوب محافظة المسلم على نشاطه وقوته في بدنه، حينما بلغه أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في طاعة الله تبارك وتعالى؛ حيث كان يصلي الليل كله، ويصوم الدهر كله، ولا يأتي نساءه، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعاه في قصة فيها بعض الطول لا مجال الآن لذكرها بتمامها، إنما الغرض الآن أن أذكِّر باهتمام الإسلام بصحة المسلم، وضرورة محافظته على بدنه فدعاه وقال له عليه السلام (إن لجسدك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولزورك -أي من يزورك- عليك حقًا) ، زاد في حديث آخر أو في قصة أخرى (فأعط كل ذي حق حقه) وكان في هذه القصة أن هذا الرجل العابد الزاهد في الدنيا والذي كان من زهده أنه لما زوجه أبوه كأنه لم يتزوج، لم يقرب زوجته لانشغاله واستغراقه في وقته كله على عبادة الله عز وجل طلب هذا الزاهد العابد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصوم أكثر مما رخص له في أول الأمر، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيده في أيامٍ يصومها أكثر مما رخص له في أول الأمر، إلى أن قال له في نهاية المطاف (صم يومًا وأفطر يومًا، فإنه أفضل الصيام، وهو صوم داود عليه الصلاة والسلام، وكان لا يفر -هنا الشاهد- إذا لاقى) ، أي عدوه، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعظ ذلك الصحابي الزاهد بألا يزيد على الصيام نصف الدهر، يصوم يومًا ويفطر يومًا، وعلل ذلك عليه الصلاة والسلام بقوله (فإنه أفضل الصيام، وهو صوم داود عليه السلام) لماذا قال عليه الصلاة والسلام (وهو صوم داود) ؟ لأنه جاء في حديثٍ في صحيح البخاري (كان داود عليه السلام أعبد البشر) أعبد البشر هو داود نبي الله، وهو والد سليمان، كان أعبد البشر، ومع ذلك كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وما هي الحكمة من هذا الصيام؟ قال (وكان لا يفر إذا لاقى) أي كان يجمع بين أن يعطي لنفسه حقها من عبادة ربها من جهة، وبين أن يعطي لجسده قوته من جهة أخرى؛ ليتمكن بهذه القوة من مقاتلة أعداء الله عز وجل، ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى (( وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) )لو كان داود عليه السلام يصوم الدهر كله لما استطاع أن يقضي على ذلك الكافر الجاحد المنكر فإذن السعي وراء تقوية الجسم لطلب الرزق الحلال هذا أمرٌ مرغوبٌ فيه، واعتبر ذلك الشارع الحكيم كما سمعتم في قصة الشاب الجلد جهادًا في سبيل الله عز وجل