ولكن لماذا يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله من النبوة والتمكين في الأرض؟ وهم غارقون في فضل اللّه من عهد إبراهيم ..الذي آتاه اللّه وآله الكتاب والحكمة - وهي النبوة - وآتاهم الملك كذلك والسيادة.وهم لم يرعوا الفضل ولم يحتفظوا بالنعمة،ولم يصونوا العهد القديم،بل كان منهم فريق من غير المؤمنين.
ومن يؤت هذا الفضل كله لا يليق أن يكون منهم جاحدون كافرون! «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ،وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ» .
إنه لمن ألأم الحسد:أن يحسد ذو النعمة الموهوب! لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة! أما أن يحسد الواجد المغمور بالنعمة،فهذا هو الشر الأصيل العميق! شر يهود! المتميز الفريد! ومن ثم يكون التهديد بالسعير،هو الجزاء المقابل لهذا الشر النكير: « وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا» ..
وعند ما يبلغ السياق هذا المقطع من ذكر الإيمان والصدود عن الإيمان في آل إبراهيم،يعقب بالقاعدة الشاملة للجزاء.جزاء المكذبين،وجزاء المؤمنين ..هؤلاء وهؤلاء أجمعين ..في كل دين وفي كل حين ويعرض هذا الجزاء في صورة مشهد من مشاهد القيامة العنيفة الرعيبة: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا،كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ.إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا.وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،خالِدِينَ فِيها أَبَدًا،لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ،وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا» «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» ...
إنه مشهد لا يكاد ينتهي.مشهد شاخص متكرر.يشخص له الخيال،ولا ينصرف عنه! إنه الهول.وللهول جاذبية آسرة قاهرة! والسياق يرسم ذلك المشهد ويكرره بلفظ واحد .. «كلما» ..ويرسمه كذلك عنيفا مفزعا بشطر جملة .. «كلما نضجت جلودهم» ..ويرسمه عجيبا خارقا للمألوف بتكملة الجملة .. «بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها» ..ويجمل الهول الرهيب المفزع العنيف كله في جملة شرطية واحدة لا تزيد! ذلك جزاء الكفر - وقد تهيأت أسباب الإيمان - وهو مقصود.وهو جزاء وفاق: «لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» ..ذلك،أن اللّه قادر على الجزاء.حكيم في توقيعه: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا» ..
وفي مقابل هذا السعير المتأجج.وفي مقابل الجلود الناضجة المشوية المعذبة ..كلما نضجت بدلت.ليعود الاحتراق من جديد.ويعود الألم من جديد.في مقابل هذا المشهد المكروب الملهوف ..نجد «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» في جنات ندية: « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» :
ونجد في المشهد ثباتا وخلودا مطمئنا أكيدا: «خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» ونجد في الجنات والخلد الدائم أزواجا مطهرة: «لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ» ..ونجد روح الظلال الندية يرف على مشهد النعيم:«وَنُدْخِلُهُمْ