«أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؟» وإنما هي الفتنة،وإنما هو الابتلاء: « بَلْ لا يَشْعُرُونَ» ..لا يشعرون بما وراء المال والبنين من مصير قاتم ومن شر مستطير!
وإلى جانب صورة الغفلة والغمرة في القلوب الضالة يبرز صورة اليقظة والحذر في القلوب المؤمنة:
«إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ.وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ.وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ.أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ» .
ومن هنا يبدو أثر الإيمان في القلب،من الحساسية والإرهاف والتحرج،والتطلع إلى الكمال.وحساب العواقب.مهما ينهض بالواجبات والتكاليف.
فهؤلاء المؤمنون يشفقون من ربهم خشية وتقوى وهم يؤمنون بآياته،ولا يشركون به.وهم ينهضون بتكاليفهم وواجباتهم.وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا ..ولكنهم بعد هذا كله: «يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» لإحساسهم بالتقصير في جانب اللّه،بعد أن بذلوا ما في طوقهم،وهو في نظرهم قليل.
عَنْ عَائِشَةَ،أَنَّهَا قَالَتْ:يَا رَسُولَ اللهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: {الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ يَا رَسُولَ اللهِ،هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ،وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ ؟ قَالَ:لاَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ،يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ،وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يُخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. [1]
إن قلب المؤمن يستشعر يد اللّه عليه.ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة ..ومن ثم يستصغر كل عباداته،ويستقل كل طاعاته،إلى جانب آلاء اللّه ونعمائه.كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال اللّه وعظمته ويرقب بكل مشاعره يد اللّه في كل شيء من حوله ..ومن ثم يشعر بالهيبة،ويشعر بالوجل،ويشفق أن يلقى اللّه وهو مقصر في حقه،لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرا.
وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات،وهم الذين يسبقون لها فينالونها في الطليعة،بهذه اليقظة،وبهذا التطلع،وبهذا العمل،وبهذه الطاعة.لا أولئك الذين يعيشون في غمرة ويحسبون لغفلتهم أنهم مقصودون بالنعمة،مرادون بالخير،كالصيد الغافل يستدرج إلى مصرعه بالطعم المغري.ومثل هذا الطير في الناس كثير،يغمرهم الرخاء،وتشغلهم النعمة،ويطغيهم الغنى،ويلهيهم الغرور،حتى يلاقوا المصير! تلك اليقظة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم.والتي يستجيشها الإيمان بمجرد استقراره في القلوب ..
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [8 /296] (25263) 25777 صحيح