الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء.والناس يسمعون كلمة «الرزق» فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال.ولكن مدلول «الرزق» أوسع من ذلك كثيرا،وأعمق من ذلك كثيرا ..إن أقل «رزق» يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لو لاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد.ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد اللّه ..
«وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ» ..بما أودع في العناصر من خصائص تجري الفلك على سطح الماء وبما أودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء وكلها مسخرة بأمر اللّه للإنسان. «وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ» ..تجري فتجري الحياة،وتفيض فيفيض الخير،وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات ..كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان ..
«وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ» ..لا يستخدمهما الإنسان مباشرة كما يستخدم الماء والثمار والبحار والفلك والأنهار ..ولكنه ينتفع بآثارهما ،ويستمد منهما مواد الحياة وطاقاتها.فهما مسخران بالناموس الكوني ليصدر عنهما ما يستخدمه هذا الإنسان في حياته ومعاشه بل في تركيب خلاياه وتجديدها. «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ» ..سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه،وما يناسب نشاطه وراحته.ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان فضلا على فساد ما حوله كله،وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه.وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة.ففي كل خط من النقط ما لا يحصى.ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل: «وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» ..من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع ...
«وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» ..فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر،أو كل البشر.وكلهم محدودون بين حدين من الزمان:بدء ونهاية.وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان.ونعم اللّه مطلقة - فوق كثرتها - فلا يحيط بها إدراك إنسان ..
وبعد ذلك كله تجعلون للّه أندادا،وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة اللّه بل تبدلونها كفرا ..
« إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» !!!
وحين يستيقظ ضمير الإنسان،ويتطلع إلى الكون من حوله،فإذا هو مسخر له،إما مباشرة،وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة اللّه،معين بقدرة اللّه،ذلول له بتسخير اللّه ..حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر.لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر،ويتطلع دائما إلى ربه المنعم:حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا،وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء.