فهرس الكتاب
«وَعِنَبًا وَقَضْبًا» ..والعنب معروف.والقضب هو كل ما يؤكل رطبا غضا من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى .. «وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا.وَحَدائِقَ غُلْبًا.وَفاكِهَةً وَأَبًّا» ..والزيتون والنخل معروفان لكل عربي،والحدائق جمع حديقة،وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها.و «غُلْبًا» جمع غلباء.أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار.والفاكهة من ثمار الحدائق و «الأب» أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام.وهو الذي سأل عنه عمر بن الخطاب ثم راجع نفسه فيه متلوّما! كما سبق في الحديث عن سورة النازعات! فلا نزيد نحن شيئا! هذه هي قصة الطعام.كلها من إبداع اليد التي أبدعت الإنسان.وليس فيها للإنسان يد يدعيها،في أية مرحلة من مراحلها ..حتى الحبوب والبذور التي قد يلقيها هو في الأرض ..إنه لم يبدعها،ولم يبتدعها.والمعجزة في إنشائها ابتداء من وراء تصور الإنسان وإدراكه.والتربة واحدة بين يديه،ولكن البذور والحبوب منوعة،وكل منها يؤتي أكله في القطع المتجاورات من الأرض.وكلها تسقى بماء واحد،ولكن اليد المبدعة تنوع النبات وتنوع الثمار وتحفظ في البذرة الصغيرة خصائص أمها التي ولدتها فتنقلها إلى بنتها التي تلدها ..كل أولئك في خفية عن الإنسان! لا يعلم سرها ولا يقضي أمرها،ولا يستشار في شأن من شؤونها ..
هذه هي القصة التي أخرجتها يد القدرة: «مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» ..إلى حين.ينتهي فيه هذا المتاع الذي قدره اللّه حين قدر الحياة.ثم يكون بعد ذلك أمر آخر يعقب المتاع.أمر يجدر بالإنسان أن يتدبره قبل أن يجيء:
« فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ،يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ،وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ،وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ.لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ..وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ،ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ،وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ،تَرْهَقُها قَتَرَةٌ،أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» ..
فهذه هي خاتمة المتاع.وهذه هي التي تتفق مع التقدير الطويل،والتدبير الشامل،لكل خطوة وكل مرحلة في نشأة الإنسان.وفي هذا المشهد ختام يتناسق مع المطلع.مع الذي جاء يسعى وهو يخشى.والذي استغنى وأعرض عن الهدى.ثم هذان هما في ميزان اللّه.
«والصاخة لفظ ذو جرس عنيف نافذ،يكاد يخرق صماخ الأذن،وهو يشق الهواء شقا،حتى يصل إلى الأذن صاخا ملحا! «وهو يمهد بهذا الجرس العنيف للمشهد الذي يليه:مشهد المرء يفر وينسلخ من ألصق الناس به:«يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ،وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» ..أولئك الذين تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم ولكن هذه الصاخة تمزق هذه الروابط تمزيقا،وتقطع تلك الوشائج تقطيعا.
«والهول في هذا المشهد هول نفسي بحت،يفزع النفس ويفصلها عن محيطها.ويستبد بها استبدادا.فلكل نفسه وشأنه،ولديه الكفاية من الهم الخاص به،الذي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد:«لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» ..«والظلال الكامنة وراء هذه العبارة وفي طياتها ظلال عميقة سحيقة.فما