لقد دعاهم دعوة بسيطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض وهي مرتبة في عرضها ترتيبا دقيقا يحسن أن يتملاه أصحاب الدعوات ..
لقد بدأ ببيان حقيقة الدعوة التي يدعوهم إليها: «اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ» ..
ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إليهم،وما تتضمنه من الخير لهم،لو كانوا يعلمون أين يكون الخير:
«ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..وفي هذا التعقيب ما يحفزهم إلى نفي الجهل عنهم،واختيار الخير لأنفسهم.وهو في الوقت ذاته حقيقة عميقة لا مجرد تهييج خطابي! وفي الخطوة الثالثة بين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه:أولها أنهم يعبدون من دون اللّه أوثانا - والوثن:التمثال من الخشب - وهي عبادة سخيفة،وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة اللّه ..وثانيها:
أنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل،وإنما يخلقون إفكا وينشئون باطلا،يخلقونه خلقا بلا سابقة أو مقدمة،وينشئونه إنشاء من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة ..وثالثها:أن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعا،ولا ترزقهم شيئا: «إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا» .
وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى اللّه ليطلبوا منه الرزق.الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم: «فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ» ..والرزق مشغلة النفوس،وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان.ولكن ابتغاء الرزق من اللّه وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس.
وفي النهاية يهتف بهم إلى واهب الأرزاق المتفضل بالنعم،ليعبدوه ويشكروه: «وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ» .
وأخيرا يكشف لهم أنه لا مفر من اللّه،فمن الخير أن يثوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين: «إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..فإن كذبوا - بعد ذلك كله - فما أهون ذلك! فلن يضر اللّه شيئا،ولن يخسر رسوله شيئا.فقد كذب الكثيرون من قبل،وما على الرسول إلا واجب التبليغ: «وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ،وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» ..وهكذا يأخذهم خطوة خطوة،ويدخل إلى قلوبهم من مداخلها،ويوقع على أوتارها في دقة عميقة،وهذه الخطوات تعد نموذجا لطريقة الدعوة جديرا بأن يتملاه أصحاب كل دعوة،لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب.
وقبل أن يمضي السياق إلى نهاية القصة،يقف وقفة يخاطب بها كل منكر لدعوة الإيمان باللّه على الإطلاق المكذبين بالرجعة إلى اللّه والبعث والمآب: «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.قُلْ:سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ،ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ،إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ،وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ،وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي،وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..