يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة،ينتقل من إحداها إلى الأخرى قفزا وركضا ووثبا،في خفة وسرعة وانطلاق،حتى ينتهي إلى آخر فقرة فيها فيستقر عندها اللفظ والظل والموضوع والإيقاع! كما يصل الراكض إلى نهاية المطاف! وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة،القادحة للشرر بحوافرها،المغيرة مع الصباح،المثيرة للنقع وهو الغبار،الداخلة في وسط العدو فجأة تأخذه على غرة،وتثير في صفوفه الذعر والفرار! يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد! ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور! وفي الختام ينتهي النقع المثار،وينتهي الكنود والشح،وتنتهي البعثرة والجمع ..إلى نهايتها جميعا.إلى اللّه.
فتستقر هناك: «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» ...
والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة،تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة،والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة،كما تناسب جو الجحود والكنود،والأثرة والشح الشديد ..فلما أراد لهذا كله إطارا مناسبا،اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك،تثيره الخيل العادية في جريها،الصاخبة بأصواتها،القادحة بحوافرها،المغيرة فجاءة مع الصباح،المثيرة للنقع والغبار،الداخلة في وسط العدو على غير انتظار ...فكان الإطار من الصورة والصورة من الإطار [1]
[سورة العاديات (100) :الآيات 1 إلى 11]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) }
«وَالْعادِياتِ ضَبْحًا،فَالْمُورِياتِ قَدْحًا،فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا،فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا،فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ..إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ.وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ.وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ...»
يقسم اللّه سبحانه بخيل المعركة،ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري،قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها،مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو،مثيرة للنقع والغبار.غبار المعركة على غير انتظار.وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب! إنها خطوات المعركة على ما يألفه المخاطبون بالقرآن أول مرة
(1) - فصل التناسق الفني في كتاب التصوير الفني في القرآن. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )