وتذكر بعض الروايات أن القرية المقصودة هنا هي بيت المقدس،التي أمر اللّه بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر أن يدخلوها،ويخرجوا منها العمالقة الذين كانوا يسكنونها،والتي نكص بنو إسرائيل عنها وقالوا: «يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ،وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ» ..والتي قالوا بشأنها لنبيهم موسى - عليه السلام: «إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ!» ..ومن ثم كتب عليهم ربهم التيه أربعين سنة،حتى نشأ جيل جديد بقيادة يوشع بن نون،فتح المدينة ودخلها ..ولكنهم بدلا من أن يدخلوها سجدا كما أمرهم اللّه،علامة على التواضع والخشوع،ويقولوا:حطة ..أي حط عنا ذنوبنا واغفر لنا ..دخلوها على غير الهيئة التي أمروا بها،وقالوا قولا آخر غير الذي أمروا به ..
والسياق يواجههم بهذا الحادث في تاريخهم وقد كان مما وقع بعد الفترة التي يدور عنها الحديث هنا - وهي عهد موسى - ذلك أنه يعتبر تاريخهم كله وحدة،قديمه كحديثه،ووسطه كطرفيه ..كله مخالفة وتمرد وعصيان وانحراف! وأيّا كان هذا الحادث،فقد كان القرآن يخاطبهم بأمر يعرفونه،ويذكرهم بحادث يعلمونه ..فلقد نصرهم اللّه فدخلوا القرية المعينة وأمرهم أن يدخلوها في هيئة خشوع وخضوع،وأن يدعوا اللّه ليغفر لهم ويحط عنهم ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم،وأن يزيد المحسنين من فضله ونعمته.فخالفوا عن هذا كله كعادة يهود: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» ..
ويخص الذين ظلموا بالذكر.إما لأنهم كانوا فريقا منهم هو الذي بدل وظلم.وإما لتقرير وصف الظلم لهم جميعا،إذا كان قد وقع منهم جميعا.
«فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» ..والرجز:العذاب.والفسوق:المخالفة والخروج ..وكانت هذه واحدة من أفاعيل بني إسرائيل!
وكما يسر اللّه لبني إسرائيل الطعام في الصحراء والظل في الهاجرة،كذلك أفاض عليهم الري بخارقة من الخوارق الكثيرة التي أجراها اللّه على يدي نبيه موسى - عليه السلام - والقرآن يذكرهم بنعمة اللّه عليهم في هذا المقام،وكيف كان مسلكهم بعد الإفضال والإنعام: «وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ،فَقُلْنَا:اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ،فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ.كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» ..
لقد طلب موسى لقومه السقيا.طلبها من ربه فاستجاب له.وأمره أن يضرب حجرا معينا بعصاه،فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدة أسباط بني إسرائيل،وكانوا يرجعون إلى اثني عشر سبطا بعدة أحفاد يعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وأحفاد إسرائيل - أو يعقوب - هم المعروفون باسم الأسباط،والذين يرد ذكرهم مكررا في القرآن،وهم رؤوس قبائل بني إسرائيل.وكانوا ما يزالون يتبعون النظام القبلي،الذي تنسب فيه القبيلة إلى رأسها الكبير.ومن ثم يقول:«قَدْ عَلِمَ كُلُّ