وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ..فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» ..
وهذه هي الآية الموجبة الناسخة لرخصة الإفطار والفدية بالنسبة للصحيح المقيم - فيما عدا الشيخ والشيخة كما أسلفنا: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» ..أي من حضر منكم الشهر غير مسافر.أو من رأى منكم هلال الشهر.والمستيقن من مشاهدة الهلال بأية وسيلة أخرى كالذي يشهده في إيجاب الصوم عليه عدة أيام رمضان.
ولما كان هذا نصا عاما فقد عاد ليستثني منه من كان مريضا أو على سفر: «وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» ..
وتحبيب ثالث في أداء الفريضة،وبيان لرحمة اللّه في التكليف وفي الرخصة سواء: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» ..
وهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها.فهي ميسرة لا عسر فيها.وهي توحي للقلب الذي يتذوقها،بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد.سماحة تؤدى معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي مسيل الماء الجاري،ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء.مع الشعور الدائم برحمة اللّه وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين.
وقد جعل الصوم للمسافر والمريض في أيام أخر،لكي يتمكن المضطر من إكمال عدة أيام الشهر،فلا يضيع عليه أجرها: «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» .
والصوم على هذا نعمة تستحق التكبير والشكر: «وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ.وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»
فهذه غاية من غايات الفريضة ..أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره اللّه لهم.وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة.وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية،ومكفوفو الجوارح عن إتيانها.وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا.ليكبروا اللّه على هذه الهداية،وليشكروه على هذه النعمة.ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة.كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ..
وهكذا تبدو منة اللّه في هذا التكليف الذي يبدو شاقّا على الأبدان والنفوس.وتتجلى الغاية التربوية منه،والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه،أداء تحرسه التقوى ورقابة اللّه وحساسية الضمير.
وقبل أن يمضي السياق في بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام،وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك ..