الملحوظ الذي لو اختلت نسبة واحدة من نسبه في طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان لفقد الاتصال،فما استطاعت أذن أن تلتقط صوتا،ولا استطاعت عين أن تلتقط ضوءا.ولكن القدرة المدبرة نسقت بين طبيعة الإنسان وطبيعة الكون الذي يعيش فيه،فتم هذا الاتصال.غير أن الإنسان لا يشكر على النعمة: «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» ..والشكر يبدأ بمعرفة واهب النعمة،وتمجيده بصفاته،ثم عبادته وحده وهو الواحد الذي تشهد بوحدانيته آثاره في صنعته.ويتبعه استخدام هذه الحواس والطاقات في تذوق الحياة والمتاع بها،بحس العابد للّه في كل نشاط وكل متاع.
«وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ» ..فاستخلفكم فيها،بعد ما زودكم بالسمع والأبصار والأفئدة وأمدكم بالاستعدادات والطاقات الضرورية لهذه الخلافة .. «وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» ..فيحاسبكم على ما أحدثتم في هذه الخلافة من خير وشر،ومن صلاح وفساد،ومن هدى وضلال.فلستم بمخلوقين عبثا،ولا متروكين سدى إنما هي الحكمة والتدبير والتقدير.
« وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ..والحياة والموت حادثان يقعان في كل لحظة،وليس إلا اللّه يملك الموت والحياة فالبشر - أرقى الخلائق - أعجز من بث الحياة في خلية واحدة،وأعجز كذلك من سلب الحياة سلبا حقيقيا عن حي من الأحياء.فالذي يهب الحياة هو الذي يعرف سرها،ويملك أن يهبها ويستردها.والبشر قد يكونون سببا وأداة لإزهاق الحياة،ولكنهم هم ليسوا الذين يجردون الحي من حياته على وجه الحقيقة.إنما اللّه هو الذي يحيي ويميت،وحده دون سواه.
«وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» ..فهو الذي يملكه ويصرفه - كاختلاف الموت والحياة - وهو سنة كونية كسنة الموت والحياة.هذه في النفوس والأجساد،وهذه في الكون والأفلاك.وكما يسلب الحياة من الحي فيعتم جسده ويهمد،كذلك هو يسلب الضوء من الأرض فتعتم وتسكن.ثم تكون حياة ويكون ضياء،يختلف هذا على ذاك،بلا فتور ولا انقطاع إلا أن يشاء اللّه .. «أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» وتدركون ما في هذا كله من دلائل على الخالق المدبر،المالك وحده لتصريف الكون والحياة؟
وهنا يعدل عن خطابهم وجدالهم،ليحكي مقولاتهم عن البعث والحساب،بعد كل هذه الدلائل والآيات: «بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ.قالُوا:أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ.إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ..
وتبدو هذه القولة مستنكرة غريبة بعد تلك الآيات والدلائل الناطقة بتدبير اللّه،وحكمته في الخلق،فقد وهب الإنسان السمع والبصر والفؤاد ليكون مسؤولا عن نشاطه وعمله،مجزيا على صلاحه وفساده والحساب والجزاء يكونان على حقيقتها في الآخرة،فالمشهود في هذه الأرض أن الجزاء قد لا يقع،لأنه متروك إلى موعده هناك.