وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادًا فِى سَبِيلِى وَإِيمَانًا بِى وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِى فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ.وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّى وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى أَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ » . [1] .
فهؤلاء هم الشهداء.هؤلاء الذين يخرجون في سبيل اللّه،لا يخرجهم إلا جهاد في سبيله،وإيمان به،وتصديق برسله.
ولقد كره رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لفتى فارسي يجاهد أن يذكر فارسيته ويعتز بجنسيته في مجال الجهاد:فعَنْ أَبِى عُقْبَةَ - وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ - قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُحُدًا فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ خُذْهَا مِنِّى وَأَنَا الْغُلاَمُ الْفَارِسِىُّ فَالْتَفَتَ إِلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « فَهَلاَّ قُلْتَ خُذْهَا مِنِّى وَأَنَا الْغُلاَمُ الأَنْصَارِىُّ » . (أخرجه أبو داود) [2] .
فقد كره له - صلى الله عليه وسلم - أن يفخر بصفة غير صفة النصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ،وأن يحارب تحت شارة إلا شارة النصر لهذا الدين ..وهذا هو الجهاد.وفيه وحده تكون الشهادة،وتكون الحياة للشهداء.
ثم يمضي السياق في التعبئة لمواجهة الأحداث،وفي تقويم التصور لحقيقة الأحداث: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ.وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا:إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ..
ولا بد من تربية النفوس بالبلاء،ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد،وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ..لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة،كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف.والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى.فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين.وكلما تألموا في سبيلها،وكلما بذلوا من أجلها ..كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها.كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها ..إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم:لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرا مما
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (4967 ) -الكلم:الجرح
(2) - سنن أبي داود - المكنز - (5125 ) حسن