في ذاته أعلى وأكرم مثوبة ورضاهم عن اللّه هو الاطمئنان إليه سبحانه،والثقة بقدره،وحسن الظن بقضائه،والشكر على نعمائه،والصبر على ابتلائه ..
ولكن التعبير بالرضى هنا وهناك يشيع جو الرضى الشامل الغامر،المتبادل الوافر،الوارد الصادر،بين اللّه سبحانه وهذه الصفوة المختارة من عباده ويرفع من شأن هذه الصفوة - من البشر - حتى ليبادلون ربهم الرضى وهو ربهم الأعلى،وهم عبيده المخلوقون ..وهو حال وشأن وجو لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه ولكن يتنسم ويستشرف ويستجلى من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحس الموصول! ذلك حالهم الدائم مع ربهم: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» .وهناك تنتظرهم علامة هذا الرضى: «وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» .. «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ..وأي فوز بعد هذا وذلك عظيم؟؟؟
ذلك مستوى ..وفي مقابله مستوى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) } ..
ولقد سبق الحديث والكشف عن المنافقين عامة - سواء من منافقي المدينة أو منافقي الأعراب - ولكن الحديث هنا عن صنف خاص من المنافقين.صنف حذق النفاق ومرن عليه،ولجّ فيه ومرد،حتى ليخفى أمره على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ،مع كل فراسته وتجربته! فكيف يكون؟
واللّه سبحانه يقرر أن هذه الفئة من الناس موجودة في أهل المدينة وفي الأعراب المحيطين بالمدينة.ويطمئن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين معه،من كيد هذه الفئة الخفية الماكرة الماهرة كما ينذر هؤلاء الماكرين المهرة في النفاق بأنه سبحانه لن يدعهم،فسيعذبهم عذابا مضاعفا في الدنيا والآخرة: «لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ.ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ» ..
والعذاب مرتين في الدنيا،الأقرب في تأويله أنه عذاب القلق النازل بهم من توقع انكشاف أمرهم في المجتمع المسلم وعذاب الموت والملائكة تسألهم أرواحهم وتضرب وجوههم وأدبارهم.أو هو عذاب الحسرات التي تصيبهم بانتصار المسلمين وغلبتهم وعذاب الخوف من انكشاف نفاقهم وتعرضهم للجهاد الغليظ ..واللّه أعلم بما يريد ..
الدرس الرابع:102 - 105 مسلمون مذنبون ودعوتهم للسمو للأعلى
وبين المستويين المتقابلين،مستويان بين بين ..أولهما:«وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا،عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها،وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ،وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ