فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 4997

هذه التجربة هو «احتمال» وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها! .. ولكنهم حين يقال لهم عن وجود اللّه - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول! يجادلون في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير،ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين ..

كأن هذا الوجود بجملته،وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل! وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس. وعلى تقريره عن ذات اللّه سبحانه بأنه: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ،وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ،وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» .

الدرس السابع:103 - 104 الله يدرك الأبصار وهي لا تدركه والقرآن بصائر

يعقب السياق على هذا الوصف الذي لا تملك لغة البشر أن تشرحه أو تصفه .. بقوله: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ،فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ،وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها،وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» ..

فهذا الذي جاء من عند اللّه .. بصائر .. والبصائر تهتدي وتهدي .. وهذا بذاته .. بصائر .. تهدي.

فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور. وليس وراء ذلك إلا العمى. فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى .. معطل الحواس. مغلق المشاعر. مطموس الضمير ..

ويوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن براءته من أمرهم ومغبته: «وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ»

ولا يفوتنا أن نلمح التناسق في الجو والظلال والعبارة بين قوله في الآية السابقة:في صفة اللّه سبحانه: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ،وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ،وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» .. وبين قوله في الآية اللاحقة: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ،فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ،وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» .. واستخدام الأبصار والبصائر،والبصر والعمى،في السياق المتناسق المتناغم ..

الدرس الثامن:105 - 107 توجيهات للرسول حول الدعوة والأتباع

بعد ذلك يلتفت السياق إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتحدث عن تصريف الآيات على هذا المستوي،الذي لا يتناسب مع أمية النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيئته والذي يدل بذاته على مصدره الرباني - لمن تتفتح بصيرته - ولكن المشركين ما كانوا يريدون الاقتناع بالآيات. ومن ثم كانوا يقولون:إن محمدا درس هذه القضايا العقدية والكونية مع أحد أهل الكتاب! وما دروا أن أهل الكتاب ما كانوا يعلمون شيئا على هذا المستوي الذي يحدثهم محمد فيه وما كان أهل الأرض جميعا - وما يزالون - يبلغون شيئا من هذا المستوي السامق على كل ما عرف البشر وما يعرفون. ومن ثم يوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اتباع ما أوحي إليه والإعراض عن المشركين: «وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ،وَلِيَقُولُوا:دَرَسْتَ،وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ،لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا. وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا،وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..

إن اللّه يصرف آياته على هذا المستوي الذي لا عهد للعرب به لأنه ليس نابعا من بيئتهم - كما أنه ليس نابعا من البيئة البشرية على العموم - فينتهي هذا التصريف إلى نتيجتين متقابلتين في البيئة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت