فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 4997

إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة ..إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور.جل أم صغر.

وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: «وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ» ..واللّه - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون.ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس،حتى يحاسبهم عليه،ويأخذهم به.فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم،بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم.

ولقد علم اللّه أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية،والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة ..

أمر شاق،ومحاولة عسيرة ..إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق،وإلا أن يعين اللّه هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه: «وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» ..

فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات،وأن تنفض عنها تلك الرواسب وأن تتجرد للّه تسمع منه وتطيع،حيثما وجهها اللّه تتجه،وحيثما قادها رسول اللّه تقاد.

ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم.إنهم ليسوا على ضلال،وإن صلاتهم لم تضع،فاللّه سبحانه لا يعنت العباد،ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ،إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..

إنه يعرف طاقتهم المحدودة،فلا يكلفهم فوق طاقتهم وإنه يهدي المؤمنين،ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان،حين تصدق منهم النية،وتصح العزيمة.وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته،فاجتياز البلاء فضل رحمته: «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة،ويذهب عنها القلق،ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين ..

الدرس الثالث:144 - 145 توحيد الأمة بالقبلة الواحدة

بعد ذلك يعلن استجابة اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر القبلة ويعلن عن هذه القبلة مع تحذير المسلمين من فتنة يهود،وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم ..في صورة تكشف عن مدى الجهد الذي كان يبذل لإعداد تلك الجماعة المسلمة،ووقايتها من البلبلة والفتنة:«قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ،فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها،فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ،وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ،وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ،وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ،وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ.وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ،وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ،أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت