«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» رخاء. «لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ» فلا حرمان ولا كد،ولا حدود للرزق كما هي الحياة الدنيا .. «كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ» .
ثم يعود السياق خطوة بالمتقين كما عاد من قبلهم خطوة بالمستكبرين.فإذا هم في مشهد الاحتضار وهو مشهد هين لين كريم: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ» طيبة نفوسهم بلقاء اللّه،معافين من الكرب وعذاب الموت. «يَقُولُونَ:سَلامٌ عَلَيْكُمْ» طمأنة لقلوبهم وترحيبا بقدومهم «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» تعجيلا لهم بالبشرى،وهم على عتاب الآخرة،جزاء وفاقا على ما كانوا يعملون.
وفي ظل هذا المشهد بشقيه.مشهد الاحتضار ومشهد البعث.يعقب السياق بسؤال عن المشركين من قريش:ماذا ينتظرون؟ أينتظرون الملائكة فتتوفاهم؟ أم ينتظرون أمر اللّه فيبعثهم.وهذا ما ينتظرهم عند الوفاة،وما ينتظرهم يوم يبعثهم اللّه! أوليس في مصير المكذبين قبلهم وقد شهدوه ممثلا في ذينك المشهدين عبرة وغناء: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ؟ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ،وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ،وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا،وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ..
وعجيب أمر الناس.فإنهم يرون ما حل بمن قبلهم ممن يسلكون طريقهم،ثم يظلون سادرين في الطريق غير متصورين أن ما أصاب غيرهم يمكن أن يصيبهم،وغير مدركين أن سنة اللّه تمضي وفق ناموس مرسوم،وأن المقدمات تعطي دائما نتائجها،وأن الأعمال تلقى دائما جزاءها،وأن سنة اللّه لن تحابيهم ولن تتوقف إزاءهم،ولن تحيد عن طريقهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) } [النحل:33] فقد آتاهم اللّه حرية التدبر والتفكر والاختيار،وعرض عليهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم،وحذرهم العاقبة،ووكلهم إلى عملهم وإلى سنته الجارية.فما ظلمهم في مصيرهم المحتوم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
وما قسا عليهم في عقوبة،إنما قست عليهم سيئات أعمالهم،لأنهم أصيبوا بها أي بنتائجها الطبيعية وجرائرها: «فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا،وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ..ولهذا التعبير وأمثاله دلالة فإنهم لا يعاقبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية.وإنهم ليصابون بجرائر سلوكهم التلقائية.وهم ينتكسون إلى أدنى من رتبة البشرية بما يعملون،فيجازون بما هو أدنى من رتبة البشرية في دركات المقام المهين،والعذاب الأليم.
الدرس الرابع:35 - 37 تصويب فهم المشركين الخاطئ للمشيئة الإلهية
ومقولة جديدة من مقولات المشركين عن علة شركهم وملابساته:«وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا،وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيء.كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ