فهرس الكتاب

الصفحة 1659 من 4997

فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس. واللّه الذي خلق قلوب البشر يخاطبها بهذا وذاك لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب.

الدرس الخامس:148 - 149 تكذيب المشركين في افترائهم على الله

وعند ما يصل السياق إلى هذا الحد من تضييق الخناق عليهم،وسد الذرائع في وجوههم،يواجه مهربهم الأخير الذين يحيلون عليه شركهم وضلال تصوراتهم وتصرفاتهم .. إنهم يقولون:إنهم مجبرون لا مخيرون فيما اعتسفوا من شرك وضلال. فلو كان اللّه لا يريد منهم الشرك والضلال لمنعهم منه بقدرته التي لا يعجزها شيء: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا،وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيء. كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا. قُلْ:هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ،وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ:فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ،فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» :

وقضية الجبر والاختيار كثر فيها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بين أهل السنة والمعتزلة والمجبرة والمرجئة ...وتدخلت الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي واللاهوت المسيحي في هذا الجدل،فتعقد تعقيدا لا تعرفه العقلية الإسلامية الواضحة الواقعية .. ولو أخذ الأمر بمنهج القرآن المباشر الميسر الجاد،ما اشتد هذا الجدل،وما سار في ذلك الطريق الذي سار فيه.

ونحن نواجه قول المشركين هذا والرد القرآني عليه،فنجد قضية واضحة بسيطة محددة: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيء» .. فهم يحيلون شركهم هم وآباؤهم،وتحريمهم ما حرموه مما لم يحرمه اللّه،وادعاءهم أن هذا من شرع اللّه بغير علم ولا دليل

يحيلون هذا كله على مشيئة اللّه بهم. فلو شاء اللّه ما أشركوا ولا حرموا ..فكيف واجه القرآن الكريم هذه المقولة؟

لقد واجهها بأنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم،وقد ذاق المكذبون من قبلهم بأس اللّه. وبأس اللّه ينتظر المكذبين الجدد: «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» ..

وهذه هي الهزة التي قد تحرك المشاعر،وتوقظ من الغفلة،وتوجه إلى العبرة ..

واللمسة الثانية كانت بتصحيح منهج الفكر والنظر .. إن اللّه أمرهم بأوامر ونهاهم عن محظورات .. وهذا ما يملكون أن يعلموه علما مستيقنا .. فأما مشيئة اللّه فهي غيب لا وسيلة لهم إليه،فكيف يعلمونه؟ وإذا لم يعلموه يقينا فكيف يحيلون عليه: «قُلْ:هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» ..

إن للّه أوامر ونواهي معلومة علما قطعيا،فلما ذا يتركون هذه المعلومات القطعية،ليمضوا وراء الحدس والخرص في واد لا يعلمونه؟

هذا هو فصل القول في هذه القضية .. إن اللّه لا يكلف الناس أن يعلموا غيب مشيئته وقدره حتى يكيفوا أنفسهم على حسبه. إنما يكلفهم أن يعلموا أوامره ونواهيه،ليكيفوا أنفسهم على حسبها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت