فهرس الكتاب

الصفحة 3505 من 4997

الدرس الثامن:16 شمول علم الله وقدرته لكل شيء

وبعد هذا الاستطراد المعترض في سياق وصية لقمان لابنه،تجيء الفقرة التالية في الوصية،لتقرر قضية الآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل.ولكن هذه الحقيقة لا تعرض هكذا مجردة،إنما تعرض في المجال الكوني الفسيح،وفي صورة مؤثرة يرتعش لها الوجدان،وهو يطالع علم اللّه الشامل الهائل الدقيق اللطيف: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ،فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ،أَوْ فِي السَّماواتِ،أَوْ فِي الْأَرْضِ،يَأْتِ بِهَا اللَّهُ.إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» ..

وما يبلغ تعبير مجرد عن دقة علم اللّه وشموله،وعن قدرة اللّه سبحانه،وعن دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور.وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء،العميقة الإيقاع .. [1] حبة من خردل.صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة. «فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ» ..صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها. «أَوْ فِي السَّماواتِ» ..في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة. «أَوْ فِي الْأَرْضِ» ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين. «يَأْتِ بِهَا اللَّهُ» ..فعلمه يلاحقها،وقدرته لا تفلتها. «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» ..تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف.ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة ويتملى علم اللّه الذي يتابعها.حتى يخشع القلب وينيب،إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب.وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب.بهذا الأسلوب العجيب.

الدرس التاسع:17 وصية لقمان لابنه بالصلاة والصبر

ويمضي السياق في حكاية قول لقمان لابنه وهو يعظه.فإذا هو يتابع معه خطوات العقيدة بعد استقرارها في الضمير.بعد الإيمان باللّه لا شريك له واليقين بالآخرة لا ريب فيها والثقة بعدالة الجزاء لا يفلت منه مثقال حبة من خردل ..فأما الخطوة التالية فهي التوجه إلى اللّه بالصلاة،والتوجه إلى الناس بالدعوة إلى اللّه،والصبر على تكاليف الدعوة ومتاعبها التي لا بد أن تكون: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ.إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» ..

وهذا هو طريق العقيدة المرسوم ..توحيد للّه،وشعور برقابته،وتطلع إلى ما عنده،وثقة في عدله،وخشية من عقابه.ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم،وأمرهم بالمعروف،ونهيهم عن المنكر.والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر،بالزاد الأصيل.زاد العبادة للّه والتوجه إليه بالصلاة.ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى اللّه،من التواء النفوس وعنادها،وانحراف القلوب وإعراضها.ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي.ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء .. «إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» ..وعزم الأمور:قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم.

(1) - يراجع فصل: «طريقة القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت