واليابس في حياة البشرية الضالة وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع ..وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر ولكنها - وهي تخرج من منبع الربا الملوث - لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية،ويسحقها سحقا في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين،لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون! لقد دعا الإسلام الجماعة المسلمة الأولى،ولا يزال يدعو البشرية كلها إلى المشرع الطاهر النظيف،وإلى التوبة من الإثم والخطيئة والمنهج الوبيء: «وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ.لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» ..فهي التوبة عن خطيئة.إنها خطيئة الجاهلية.الجاهلية التي لا تتعلق بزمان دون زمان،ولا نظام دون نظام ..
إنما هي الانحراف عن شريعة اللّه ومنهجه متى كان وحيث كان ..خطيئة تنشئ آثارها في مشاعر الأفراد وفي أخلاقهم وفي تصورهم للحياة.وتنشئ آثارها في حياة الجماعة وارتباطاتها العامة.وتنشئ آثارها في الحياة البشرية كلها،وفي نموها الاقتصادي ذاته.ولو حسب المخدوعون بدعاية المرابين،أنها وحدها الأساس الصالح للنمو الاقتصادي! واسترداد رأس المال مجردا،عدالة لا يظلم فيها دائن ولا مدين ..فأما تنمية المال فلها وسائلها الأخرى البريئة النظيفة.لها وسيلة الجهد الفردي.ووسيلة المشاركة على طريقة المضاربة وهي إعطاء المال لمن يعمل فيه،ومقاسمته الربح والخسارة.ووسيلة الشركات التي تطرح أسهمها مباشرة في السوق - بدون سندات تأسيس تستأثر بمعظم الربح - وتناول الأرباح الحلال من هذا الوجه.ووسيلة إيداعها في المصارف بدون فائدة - على أن تساهم بها المصارف في الشركات والصناعات والأعمال التجارية مباشرة أو غير مباشرة - ولا تعطيها بالفائدة الثابتة - ثم مقاسمة المودعين الربح على نظام معين أو الخسارة إذا فرض ووقعت ..وللمصارف أن تتناول قدرا معينا من الأجر في نظير إدارتها لهذه الأموال ..ووسائل أخرى كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها ..وهي ممكنة وميسرة حين تؤمن القلوب،وتصح النيات على ورود المورد النظيف الطاهر،وتجنب المورد العفن النتن الآسن! [1]
ويكمل السياق الأحكام المتعلقة بالدين في حالة الإعسار ..فليس السبيل هو ربا النسيئة:بالتأجيل مقابل الزيادة ..ولكنه هو الإنظار إلى ميسرة.والتحبيب في التصدق به لمن يريد مزيدا من الخير أوفى وأعلى: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ.وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ..إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..
إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبشرية.إنه الظل الظليل الذي تأوي إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار.إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظل
(1) - تراجع بحوث الأستاذ المودودي التي سبقت الإشارة إليها .. ( السيد رحمه الله )