الإيمان.وذلك بمناسبة ما عرضه السياق قبل ذلك من حال أولئك القوم الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن على طريقة القرآن الكريم في عرض القاعدة العامة بمناسبة المثل الفريد ومن بيان السنة الثابتة بمناسبة الحادث العابر: «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ،وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» .
إن الذين يضلون،إنما يضلون لأنهم غافلون عن النظر والتدبر. ومن يغفل عن النظر في آيات اللّه وتدبرها يضله اللّه ومن يضله اللّه لا يهديه أحد من بعده: «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ» ..
ومن يكتب اللّه عليه الضلال - وفق سنته تلك - يظل في طغيانه عن الحق وعماه عنه أبدا: «وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» ..وما في تركهم في عماهم من ظلم،فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم،وهم الذين عطلوا قلوبهم وجوارحهم،وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق وأسرار الوجود،وشهادة الأشياء - التي يوجههم إليها في الآية السابقة - وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة،وحيثما فتحت العين وقعت على آية،وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به،لمس الإعجاز في تكوينه وفيما حوله من شيء. فإذا عمه - أي عمي - عن هذا كله،ترك في عماه،وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار: «وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» .
هؤلاء الغافلون عما حولهم،العمي عما يحيط بهم .. يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول. كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد! «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟ قل:إنما علمها عند ربي،لا يجليها لوقتها إلا هو،ثقلت في السماوات والأرض،لا تأتيكم إلا بغتة. يسألونك كأنك حفي عنها! قل:إنما علمها عند اللّه،ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قل:لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون» ..
لقد كانت عقيدة الآخرة،وما فيها من حساب وجزاء،تفاجئ المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة
ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم - عليه السلام - وهو جد هؤلاء المشركين وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد،وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل.
حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تماما من تصوراتهم فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم. حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت وعن البعث والنشور والحساب والجزاء كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ،إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ،إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟ أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» .. (سبأ:7 - 8) .