السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)
بدء فيه استقامة،وفيه صرامة.وفيه حمد للّه على إنزاله الكتاب «عَلى عَبْدِهِ» بهذه الاستقامة،لا عوج فيه ولا التواء،ولا مداراة ولا مداورة: «لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ» .
ومنذ الآية الأولى تتضح المعالم،فلا لبس في العقيدة ولا غموض:اللّه هو الذي أنزل الكتاب،والحمد له على تنزيله.ومحمد هو عبد للّه.فالكل إذن عبيد،وليس للّه من ولد ولا شريك.
والكتاب لا عوج له .. «قَيِّمًا» ..يتكرر معنى الاستقامة مرة عن طريق نفي العوج،ومرة عن طريق إثبات الاستقامة.توكيدا لهذا المعنى وتشديدا فيه.
والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح: «لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ،وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا» .
ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله.فهو يبدأ به على وجه الإجمال: «لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ» .
ثم يعود إليه على وجه التخصيص: «وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا» ..وبينهما تبشير للمؤمنين «الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ» بهذا القيد الذي يجعل للإيمان دليله العملي الظاهر المستند إلى الواقع الأكيد.ثم يأخذ في كشف المنهج الفاسد الذي يتخذونه للحكم على أكبر القضايا وأخطرها.قضية العقيدة: «ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ» ..فما أشنع وما أفظع أن يفضوا بهذا القول بغير علم،هكذا جزافا: «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا» ..
وتشترك الألفاظ بنظمها في العبرة وجرسها في النطق في تفظيع هذه الكلمة التي يقولونها.فهو يبدأ بكلمة «كَبُرَتْ» لتجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما.ويجعل الكلمة الكبيرة تمييزا لضميرها في الجملة: «كَبُرَتْ كَلِمَةً» زيادة في توجيه الانتباه إليها.ويجعل هذه الكلمة تخرج من أفواههم خروجا كأنما تنطلق منها جزافا وتندفع منها اندفاعا «تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ» .وتشارك لفظة «أَفْواهِهِمْ» بجرسها الخاص في تكبير هذه الكلمة وتفظيعها،فالناطق بها يفتح فاه في مقطعها الأول بما فيه من مد: «أفوا ...» ثم تتوالى الهاءان فيمتلىء الفم بهما قبل أن يطبق على الميم في نهاية اللفظة: «أَفْواهِهِمْ» .وبذلك يشترك نظم الجملة وجرس اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل.ويعقب على ذلك بالتوكيد عن طريق النفي والاستثناء: «إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا» :
ويختار للنفي كلمة: «إِنْ» لا كلمة «ما» لأن في الأولى صرامة بالسكون الواضح،وفي لفظ «ما» شيء من الليونة بالمد ..وذلك لزيادة التشديد في الاستنكار،ولزيادة التوكيد لكذب هذه الكلمة الكبيرة ..
وفيما يشبه الإنكار يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يحزنه أن يكذب قومه بالقرآن ويعرضوا عن الهدى،ويذهبوا في الطريق الذي يعلم - صلى الله عليه وسلم - أنه مود بهم إلى الهلاك ..فيما يشبه الإنكار يقول