فهرس الكتاب

الصفحة 3080 من 4997

ومع هذه الدلائل المتضافرة فهناك من يجادل في اللّه: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ،ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ،وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ.ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ،وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ..

والجدال في اللّه بعد تلك الدلائل يبدو غريبا مستنكرا.فكيف إذا كان جدالا بغير علم.لا يستند إلى دليل،ولا يقوم على معرفة،ولا يستمد من كتاب ينير القلب والعقل،ويوضح الحق،ويهدي إلى اليقين.والتعبير يرسم صورة لهذا الصنف من الناس.صورة فيها الكبر المتعجرف: «ثانِيَ عِطْفِهِ» مائلا مزورا بجنبه.فهو لا يستند إلى حق فيعوض عن هذا بالعجرفة والكبر. «لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فلا يكتفي بأن يضل،إنما يحمل غيره على الضلال.هذا الكبر الضال المضل لا بد أن يقمع،ولا بد أن يحطم: «لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ» فالخزي هو المقابل للكبر.

واللّه لا يدع المتكبرين المتعجرفين الضالين المضلين حتى يحطم تلك الكبرياء الزائفة وينكسها ولو بعد حين.إنما يمهلهم أحيانا ليكون الخزي أعظم،والتحقير أوقع.أما عذاب الآخرة فهو أشد وأوجع: «وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ» .

وفي لحظة ينقلب ذلك الوعيد المنظور إلى واقع مشهود،بلفتة صغيرة في السياق،من الحكاية إلى الخطاب: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ،وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ..

وكأنما هو اللحظة يلقى التقريع والتبكيت،مع العذاب والحريق.

الدرس الرابع:11 - 15 المصير البائس لمن يعبد الله على حرف وثواب العابدين الصادقين

ويمضي السياق إلى نموذج آخر من الناس - إن كان يواجه الدعوة يومذاك فهو نموذج مكرور في كل جيل - ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة ويظنها صفقة في سوق التجارة: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ،فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ،وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ.ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ.ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ.يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ.لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» ..

إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن،تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول.

هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن.ومن ثم يجب أن يستوي عليها،متمكنا منها،واثقا بها،لا يتلجلج فيها،ولا ينتظر عليها جزاء،فهي في ذاتها جزاء.ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه،والسند الذي يستند عليه.أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور،وطلبه للهدى.ومن ثم يهبه اللّه العقيدة ليأوي إليها،ويطمئن بها.هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله،تتجاذبهم الرياح،وتتقاذفهم الزوابع،ويستبد بهم القلق.بينما هو بعقيدته مطمئن القلب،ثابت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت