تعكس هذه السورة صورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول.وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة ..صورة اللئيم الصغير النفس،الذي يؤتى المال فتسيطر نفسه به،حتى ما يطيق نفسه! ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة.القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار:أقدار الناس.وأقدار المعاني.وأقدار الحقائق.وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب!
كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء لا يعجز عن فعل شيء! حتى دفع الموت وتخليد الحياة.ودفع قضاء اللّه وحسابه وجزائه إن كان هناك في نظره حساب وجزاء! ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال يعده ويستلذ تعداده وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة،تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس وكراماتهم.ولمزهم وهمزهم ..يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاته.سواء بحكاية حركاتهم وأصواتهم،أو بتحقير صفاتهم وسماتهم ..بالقول والإشارة.بالغمز واللمز.باللفتة الساخرة والحركة الهازئة!
[سورة الهمزة (104) :الآيات 1 إلى 9]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9) }
وهي صورة لئيمة حقيرة من صور النفوس البشرية حين تخلو من المروءة وتعرى من الإيمان.والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة من صور النفوس بحكم ترفعه الأخلاقي.وقد نهى عن السخرية واللمز والعيب في مواضع شتى.إلا أن ذكرها هنا بهذا التشنيع والتقبيح مع الوعيد والتهديد،يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتجاه المؤمنين ..فجاء الرد عليها في صورة الردع الشديد،والتهديد الرعيب.وقد وردت روايات بتعيين بعض الشخصيات.ولكنها ليست وثيقة.فنكتفي نحن بما قررناه عنها ..
والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة يمثل صورة للعذاب مادية ونفسية،وصورة للنار حسية ومعنوية.وقد لوحظ فيها التقابل بين الجرم وطريقة الجزاء وجو العقاب.فصورة الهمزة اللمزة،الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم،وهو يجمع المال فيظنه كفيلا