فهرس الكتاب

الصفحة 2830 من 4997

عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..ولو شاء اللّه لخلق الناس باستعداد واحد،ولكنه خلقهم باستعدادات متفاوتة،نسخا غير مكررة ولا معادة،وجعل نواميس للهدى والضلال،تمضي بها مشيئته في الناس.وكل مسؤول عما يعمل.فلا يكون الاختلاف في العقيدة سببا في نقض العهود.فالاختلاف له أسبابه المتعلقة بمشيئة اللّه.والعهد مكفول مهما اختلفت المعتقدات.

وهذه قمة في نظافة التعامل،والسماحة الدينية،لم يحققها في واقع الحياة إلا الإسلام في ظل هذا القرآن.

الدرس الثاني:94 - 96 النهي عن المخادعة بالأيمان أو المتاجرة بها

ويمضي السياق في توكيده للوفاء بالعهود،ونهيه عن اتخاذ الأيمان للغش والخديعة،وبث الطمأنينة الكاذبة للحصول على منافع قريبة من منافع هذه الدنيا الفانية.ويحذر عاقبة ذلك في زعزعة قوائم الحياة النفسية والاجتماعية ،وزلزلة العقائد والارتباطات والمعاملات.وينذر بالعذاب العظيم في الآخرة،ويلوح بما عند اللّه من عوض عما يفوتهم بالوفاء من منافع هزيلة،وينوه بفناء ما بأيديهم وبقاء ما عند اللّه الذي لا تنفد خزائنه،ولا ينقطع رزقه: « وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ،فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها،وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ،وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ.وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .

واتخاذ الأيمان غشا وخداعا يزعزع العقيدة في الضمير،ويشوه صورتها في ضمائر الآخرين.فالذي يقسم وهو يعلم أنه خادع في قسمه،لا يمكن أن تثبت له عقيدة،ولا أن تثبت له قدم على صراطها.وهو في الوقت ذاته يشوه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث،ويعلمون أن أقسامه كانت للغش والدخل ومن ثم يصدهم عن سبيل اللّه بهذا المثل السيئ الذي يضربه للمؤمنين باللّه.

ولقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم،ومن صدقهم في وعدهم،ومن إخلاصهم في أيمانهم،ومن نظافتهم في معاملاتهم.فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم.

ولقد ترك القرآن وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نفوس المسلمين أثرا قويا وطابعا عاما في هذه الناحية ظل هو طابع التعامل الإسلامي الفردي والدولي المتميز ..عَنْ أَبِي الْفَيْضِ، قَالَ:سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، قَالَ:كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَغْزُوَهُمْ، فَتَعَجَّلَ شَهْرًا .قَالَ:فَجَعَلَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ الرُّومِ عَلَى بِرْذَوْنٍ،يَقُولُ:وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ .فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ:"مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحِلَّ عُقْدَةً حَتَّى يَنْقَضِي أَمَدُهَا أَوْ يُنْبِذُ إِلَيْهِمْ سَوَاءٌ" [1] .

(1) - شعب الإيمان [6 /201] (4049 ) صحيح

تهيأ للأمر:تأهب له وأعد نفسه لمزاولته =البرذون:يطلق على غير العربي من الخيل والبغال وهو عظيم الخلقة غليظ الأعضاء قوي الأرجل عظيم الحوافر =نبذ:أعلن نقض العهد وألقاه إلى من عاهده = السواء:المساواة في العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت