فهرس الكتاب

الصفحة 4654 من 4997

«هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؟ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا.إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» ..

الدرس الأول:1 - 3 تذكير الإنسان ببدايته وابتلائه وازدواجية استعداده

هذا الاستفهام في مطلع السورة إنما هو للتقرير ولكن وروده في هذه الصيغة كأنما ليسأل الإنسان نفسه:ألا يعرف أنه أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟ ثم ألا يتدبر هذه الحقيقة ويتملاها؟ ثم ألا يفعل تدبرها في نفسه شيئا من الشعور باليد التي دفعته إلى مسرح الحياة،وسلطت عليه النور،وجعلته شيئا مذكورا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا؟

إنها إيحاءات كثيرة تنبض من وراء صيغة الاستفهام في هذا المقام.وهي إيحاءات رفيقة وعميقة تثير في النفس تأملات شتى:واحدة منها تتجه بالنفس إلى ما قبل خلق الإنسان ووجوده ابتداء.يعيش فيها مع هذا الكون وقد خلا من الإنسان ..كيف تراه كان؟ ..والإنسان مخلوق مغرور في نفسه وفي قيمته،حتى لينسى أن هذا الكون كان وعاش قبل أن يوجد هو بأدهار وأزمان طوال.ولعل الكون لم يكن يتوقع خلق شيء يسمى «الْإِنْسانِ» ..حتى انبثق هذا الخلق من إرادة اللّه فكان! وواحدة منها تتجه إلى اللحظة التي انبثق فيها هذا الوجود الإنساني.وتضرب في تصورات شتى لهذه اللحظة التي لم يكن يعلمها إلا اللّه والتي أضافت إلى الكون هذه الخليقة الجديدة،المقدر أمرها في حساب اللّه قبل أن تكون! المحسوب دورها في خط هذا الكون الطويل!

وواحدة منها تتجه إلى تأمل يد القدرة وهي تدفع بهذا الكائن الجديد على مسرح الوجود وتعده لدوره،وتعدّ له دوره،وتربط خيوط حياته بمحور الوجود كله وتهيئ له الظروف التي تجعل بقاءه وأداء دوره ممكنا وميسورا وتتابعه بعد ذلك في كل خطوة،ومعها الخيط الذي تشده به إليها مع سائر خيوط هذا الكون الكبير! وإيحاءات كثيرة وتأملات شتى،يطلقها هذا النص في الضمير ..ينتهي منها القلب إلى الشعور بالقصد والغاية والتقدير،في المنشأ وفي الرحلة وفي المصير.

فأما امتداد هذا الإنسان بعد ذلك وبقاؤه فكانت له قصة أخرى: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا» ..والأمشاج:الأخلاط.وربما كانت هذه إشارة إلى تكون النطفة من خلية الذكر وبويضة الأنثى بعد التلقيح.

وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة،والتي يمثلها ما يسمونه علميا «الجينات» وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولا ولصفات الجنين العائلية أخيرا.وإليها يعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان،لا جنين أي حيوان آخر.كما تعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة ..ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى.

خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج،لا عبثا ولا جزافا ولا تسلية،ولكنه خلق ليبتلى ويمتحن ويختبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت