ألف.لام.را .. «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ» ..هذه الأحرف وما من جنسها وهي قريبة للناس متداولة بينهم.هي هي بعينها تلك الآيات البعيدة المتسامية على الطاقة البشرية.آيات الكتاب المبين.ولقد نزله اللّه كتابا عربيا مؤلفا من هذه الأحرف العربية المعروفة: «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ..
وتدركون أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز لا يمكن أن يكون بشرا،فلا بد عقلا أن يكون القرآن وحيا.والعقل هنا مدعو لتدبر هذه الظاهرة ودلالتها القاهرة.
ولما كان جسم هذه السورة قصة فقد أبرز ذكر القصص من مادة هذا الكتاب،على وجه التخصيص: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ» ..
فبإيحائنا هذا القرآن إليك قصصنا عليك هذا القصص - وهو أحسن القصص - وهو جزء من القرآن الموحى به.
«وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» ..فقد كنت أحد الأميين في قومك،الذين لا يتوجهون إلى هذا النحو من الموضوعات التي جاء بها القرآن،ومنها هذا القصص الكامل الدقيق.
هذه المقدمة إشارة البدء إلى القصة ..
ثم يرفع الستار عن المشهد الأول في الحلقة الأولى،لنرى يوسف الصبي يقص رؤياه على أبيه: «إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ:يا أَبَتِ،إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ.قالَ:يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ،فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا.إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ،وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ،وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ،وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ،كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ،إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..
كان يوسف صبيا أو غلاما وهذه الرؤيا كما وصفها لأبيه ليست من رؤى الصبية ولا الغلمان وأقرب ما يزاه غلام - حين تكون رؤياه صبيانية أو صدى لما يحلم به - أن يرى هذه الكواكب والشمس والقمر في حجره أو بين يديه يطولها.ولكن يوسف رآها ساجدة له،متمثلة في صورة العقلاء الذين يحنون رؤوسهم بالسجود تعظيما.والسياق يروي عنه في صيغة الإيضاح المؤكدة: «إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ:يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» ..
ثم يعيد لفظ رأى: «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
لهذا أدرك أبوه يعقوب بحسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤيا شأنا عظيما لهذا الغلام.لم يفصح هو عنه،ولم يفصح عنه سياق القصة كذلك.ولا تظهر بوادره إلا بعد حلقتين منها.أما تمامه فلا يظهر إلا في نهاية القصة بعد انكشاف الغيب المحجوب.ولهذا نصحه بألا يقص رؤياه على إخوته،خشية أن يستشعروا ما وراءها لأخيهم الصغير - غير الشقيق - فيجد الشيطان من هذا ثغرة في