ثم يأخذ في عرض الآيات.آيات الخلق الدالة على وحدانية الخالق وآيات النعمة الدالة على وحدانية المنعم يعرضها فوجا فوجا،ومجموعة مجموعة.بادئا بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان. «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ،تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» .
«خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» ..الحق قوام خلقهما،والحق قوام تدبيرهما،والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما.فما شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف.إنما كل شيء قائم على الحق ومتلبس به ومفض له وصائر في النهاية إليه .. «تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» ..تعالى عن شركهم،وتعالى عما يشركون به من خلق اللّه الذي خلق السماوات والأرض،وخلق من فيهما وما فيهما،فليس أحد وليس شيء شريكا له وهو الخالق الواحد بلا شريك.
« خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير.بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته.وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة.فهكذا يصوره التعبير،ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير،لتبدو المفارقة كاملة،والنقلة بعيدة،ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين:مشهد النطفة المهينة الساذجة،ومشهد الإنسان الخصيم المبين ..وهو إيجاز مقصود في التصوير.وفي هذا المجال الواسع - مجال الكون:السماوات والأرض - الذي يقف فيه الإنسان،يأخذ السياق في استعراض خلق اللّه الذي سخره للإنسان،ويبدأ بالأنعام: «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها،لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ.وَمِنْها تَأْكُلُونَ.وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ،وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ،إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ،وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً،وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ» ...
وفي بيئة كالبيئة التي نزل فيها القرآن أول مرة،وأشباهها كثير وفي كل بيئة زراعية والبيئات الزراعية هي الغالبة حتى اليوم في العالم ..في هذه البيئة تبرز نعمة الأنعام،التي لا حياة بدونها لبني الإنسان.والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة كانت هي الإبل والبقر والضأن والمعز.أما الخيل والبغال والحمير فللركوب والزينة ولا تؤكل [1] والقرآن إذ يعرض هذه النعمة هنا ينبه إلى ما فيها من تلبية لضرورات البشر وتلبية لأشواقهم كذلك:
ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار،ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها.ومنها تأكلون لحما ولبنا وسمنا،وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد لا يبلغونه إلا بشق الأنفس.وفيها
(1) - هناك خلاف فقهي في الخيل فأبو حنيفة يحرم لحومها استنادا إلى هذا النص الذي يخصصها للركوب والزينة وإلى بعض الأحاديث. ( السيد رحمه الله )