والحق ..أننا نجد أنفسنا - أمام هذه الآيات كلها - في موقف لا نملك الجزم فيه بشيء.والروايات الواردة عنها ليس فيها جزم كذلك بشيء ..حتى في آيات المجموعة الأولى.التي ورد أنها في طائفة من المهاجرين كما ورد أنها في طائفة من المنافقين! ومن ثم نأخذ بالأحوط في تبرئة المهاجرين من سمات التبطئة والانخلاع مما يصيب المؤمنين من الخير والشر.
التي وردت في الآيات السابقة.ومن سمة إسناد السيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم - دون الحسنة،ورد هذه وحدها إلى اللّه! ومن سمة تبييت غير الطاعة ..وإن كانت تجزئة سياق الآيات على هذا النحو ليست سهلة على من يتابع السياق القرآني،ويدرك - بطول الصحبة - طريقة التعبير القرآنية!!! واللّه المعين.
« أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ:كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ،وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ..فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً.وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ! قُلْ:مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ.وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا.أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ،وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ...»
يعجب اللّه - سبحانه - من أمر هؤلاء الناس الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويستعجلونه وهم في مكة،يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين.حين لم يكن مأذونا لهم في القتال للحكمة التي يريدها اللّه.فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره اللّه وتهيأت الظروف المناسبة وكتب عليهم القتال - في سبيل اللّه - إذا فريق منهم شديد الجزع،شديد الفزع،حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم - وهم ناس من البشر - كخشية اللّه القهار الجبار،الذي لا يعذب عذابه أحد،ولا يوثق وثاقه أحد .. «أو أشد خشية» !! وإذا هم يقولون - في حسرة وخوف وجزع - «رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟» ..وهو سؤال غريب من مؤمن.وهو دلالة على عدم وضوح تصوره لتكاليف هذا الدين ولوظيفة هذا الدين أيضا ..ويتبعون ذلك التساؤل،بأمنية حسيرة مسكينة! «لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ!» وأمهلتنا بعض الوقت،قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف! إن أشد الناس حماسة واندفاعا وتهورا،قد يكونون هم أشد الناس جزعا وانهيارا وهزيمة عند ما يجد الجد،وتقع الواقعة ..بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف.لا عن شجاعة واحتمال وإصرار.كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال.قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة فتدفعهم قلة الاحتمال،إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل.دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار ..حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا،وأشق مما تصوروا.فكانوا أول الصف جزعا ونكولا وانهيارا ..على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم،ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت ويعدون للأمر