فلينقض النهار في هذا السبح والنشاط،وليخلص لربه في الليل،يقوم له بالصلاة والذكر: «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» ..وذكر اسم اللّه،ليس هو مجرد ترديد هذا الاسم الكريم باللسان،على عدة المسبحة المئوية أو الألفية! إنما هو ذكر القلب الحاضر مع اللسان الذاكر أو هو الصلاة ذاتها وقراءة القرآن فيها.والتبتل هو الانقطاع الكلي عما عدا اللّه،والاتجاه الكلي إليه بالعبادة والذكر،والخلوص من كل شاغل ومن كل خاطر،والحضور مع اللّه بكامل الحس والمشاعر.
ولما ذكر التبتل وهو الانقطاع عما عدا اللّه،ذكر بعده ما يفيد أنه ليس هناك إلا اللّه،يتجه إليه من يريد الاتجاه: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» ..
فهو رب كل متجه ..رب المشرق والمغرب ..وهو الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو.فالانقطاع إليه هو الانقطاع للحقيقة الوحيدة في هذا الوجود والتوكل عليه هو التوكل على القوة الوحيدة في هذا الوجود.
والاتكال على اللّه وحده هو الثمرة المباشرة للاعتقاد بوحدانيته،وهيمنته على المشرق والمغرب،أي على الكون كله ..والرسول الذي ينادى:قم ..لينهض بعبئه الثقيل،في حاجة ابتداء للتبتل للّه والاعتماد عليه دون سواه.فمن هنا يستمد القوة والزاد للعبء الثقيل في الطريق الطويل.
ثم وجه اللّه الرسول إلى الصبر الجميل على ما يلقاه من قومه من الاتهام والإعراض والصد والتعطيل.وأن يخلي بينه وبين المكذبين! ويمهلهم قليلا.فإن لدى اللّه لهم عذابا وتنكيلا: « وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا.وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا.إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا.وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا.يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ،وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ..إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا،فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا.فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا،السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا» .
وإذا صحت الرواية الأولى عن نزول مطلع هذه السورة في بدء البعثة،فإن هذا الشوط الثاني منها يكون قد نزل متأخرا بعد الجهر بالدعوة،وظهور المكذبين والمتطاولين،وشدتهم على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وعلى المؤمنين.فأما إذا صحت الرواية الثانية فإن شطر السورة الأول كله يكون قد نزل بمناسبة ما نال النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين وصدهم عن الدعوة.
وعلى أية حال فإننا نجد التوجيه إلى الصبر،بعد التوجيه إلى القيام والذكر،وهما كثيرا ما يقترنان في صدد تزويد القلب بزاد هذه الدعوة في طريقها الشاق الطويل،سواء طريقها في مسارب الضمير أو طريقها في جهاد المناوئين،وكلاهما شاق عسير ..نجد التوجيه إلى الصبر. «وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» ..مما يغيظ ويحنق، «وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا» ..لا عتاب معه ولا غضب،ولا هجر فيه ولا