فهرس الكتاب
وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا» ..وصلاة اللّه على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند اللّه سبحانه وتعالى ..ويا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء اللّه على نبيه ويشرق به الكون كله وتتجاوب به أرجاؤه.
ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي.وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم.وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة اللّه العلي وتسليمه،وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم إنما يشاء اللّه تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم.
وفي ظل هذا التمجيد الإلهي يبدو إيذاء الناس للنبي - صلى الله عليه وسلم - بشعا شنيعا ملعونا قبيحا: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا» ..ويزيده بشاعة وشناعة أنه إيذاء للّه من عبيده ومخاليقه،وهم لا يبلغون أن يؤذوا الله .إنما هذا التعبير يصور الحساسية بإيذاء رسوله،وكأنما هو إيذاء لذاته جل وعلا.فما أفظع ! وما أبشع ! وما أشنع !
ويستطرد كذلك إلى إيذاء المؤمنين والمؤمنات عامة .إيذاؤهم كذبا وبهتانا،بنسبة ما ليس فيهم إليهم من النقائص والعيوب: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) } [الأحزاب:58]
وهذا التشديد يشي بأنه كان في المدينة يومذاك فريق يتولى هذا الكيد للمؤمنين والمؤمنات،بنشر قالة السوء عنهم،وتدبير المؤامرات لهم،وإشاعة التهم ضدهم.وهو عام في كل زمان وفي كل مكان.والمؤمنون والمؤمنات عرضة لمثل هذا الكيد في كل بيئة من الأشرار المنحرفين،والمنافقين،والذين في قلوبهم مرض.واللّه يتولى عنهم الرد على ذلك الكيد،ويصم أعداءهم بالإثم والبهتان.وهو أصدق القائلين.
ثم أمر اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة - إذا خرجن لحاجتهن أن يغطين أجسامهن ورؤوسهن وجيوبهن - وهي فتحة الصدر من الثوب - بجلباب كاس.فيميزهن هذا الزي،ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق.فإن معرفتهن وحشمتهن معا تلقيان الخجل والتحرج في نفوس الذين كانوا يتتبعون النساء لمعابثتهن: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ.ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ.وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» ..
عنِ السُّدِّيِّ،فِي الْآيَةِ،قَالَ:"كَانَ أُنَاسٌ مِنْ فُسَّاقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِاللَّيْلِ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ،يَأْتُونَ إِلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَيَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ،وَكَانَتْ مَسَاكِنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ضَيِّقَةً،فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ،خَرَجَ النِّسَاءُ إِلَى الطُّرُقِ،فَيَقْضِينَ حَاجَتَهُنَّ،فَكَانَ أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ يَتْبَعُونَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ،فَإِذَا رَأَوُا امْرَأَةً عَلَيْهَا"