بالمنافقين؟ إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين .. «فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ» والعاقبة معروفة ..والعاقبة للمؤمنين.
ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين،قد عرض ماله،وهو يعتذر عن الجهاد،ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان.فرد اللّه عليهم مناورتهم،وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند اللّه،لأنهم إنما ينفقونه عن رياء وخوف،لا عن إيمان وثقة،وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين،أو عن كره خوفا من انكشاف أمرهم،فهو في الحالتين مردود،لا ثواب له ولا يحسب لهم عند اللّه: « قُلْ:أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ،إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ.وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ،وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى،وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ» .
إنها صورة المنافقين في كل آن.خوف ومداراة،وقلب منحرف وضمير مدخول.ومظاهر خالية من الروح،وتظاهر بغير ما يكنه الضمير.
والتعبير القرآني الدقيق: «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى » ..
فهم يأتونها مظهرا بلا حقيقة،ولا يقيمونها إقامة واستقامة.يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير،إنما يدفعون إليها دفعا،فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين.
وما كان اللّه ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة،ولا يصاحبها شعور دافع.فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح.
ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد،وذوي جاه في قومهم وشرف.ولكن هذا كله ليس بشيء عند اللّه وكذلك يجب ألا يكون شيئا عند الرسول والمؤمنين.فما هي بنعمة يسبغها اللّه عليهم ليهنأوا بها،إنما هي الفتنة يسوقها اللّه إليهم ويعذبهم بها: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ،إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» .
إن الأموال والأولاد قد تكون نعمة يسبغها اللّه على عبد من عباده،حين يوفقه إلى الشكر على النعمة،والإصلاح بها في الأرض،والتوجه بها إلى اللّه،فإذا هو مطمئن الضمير،ساكن النفس،واثق من المصير.
كلما أنفق احتسب وشعر أنه قدم لنفسه ذخرا،وكلما أصيب في ماله أو بنيه احتسب،فإذا السكينة النفسية تغمره.والأمل في اللّه يسري عنه ..وقد تكون نقمة يصيب اللّه بها عبدا من عباده،لأنه يعلم من أمره الفساد والدخل،فإذا القلق على الأموال والأولاد يحول حياته جحيما،وإذا الحرص عليها يؤرقه ويتلف أعصابه،وإذا هو ينفق المال حين ينفقه فيما يتلفه ويعود عليه بالأذى،وإذا هو يشقى