فهرس الكتاب

الصفحة 3942 من 4997

وتقرير هذه الحقيقة كفيل بأن يشعر القوم الذين جعل القرآن بلسانهم بقيمة الهبة الضخمة التي وهبها اللّه إياهم،وقيمة النعمة التي أنعم اللّه عليهم ويكشف لهم عن مدى الإسراف القبيح في إعراضهم عنها واستخفافهم بها ومدى استحقاقهم هم للإهمال والإعراض ومن ثم يعرّض بهم وبإسرافهم،ويهددهم بالترك والإهمال جزاء هذا الإسراف: «أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ؟» ..

ولقد كان عجيبا - وما يزال - أن يعنى اللّه سبحانه - في عظمته وفي علوه وفي غناه - بهذا الفريق من البشر،فينزل لهم كتابا بلسانهم،يحدثهم بما في نفوسهم،ويكشف لهم عن دخائل حياتهم،ويبين لهم طريق الهدى،ويقص عليهم قصص الأولين،ويذكرهم بسنة اللّه في الغابرين ..ثم هم بعد ذلك يهملون ويعرضون! وإنه لتهديد مخيف أن يلوح لهم بعد ذلك بالإهمال من حسابه ورعايته،جزاء إسرافهم القبيح!

وإلى جانب هذا التهديد يذكرهم بسنة اللّه في المكذبين،بعد إرسال النبيين: « وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ،وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا،وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ» ..فما ذا ينتظرون هم وقد أهلك اللّه من هم أشد منهم بطشا،حينما وقفوا يستهزئون بالرسل كما يستهزئون؟

والعجيب - كان - في أمر القوم أنهم كانوا يعترفون بوجود اللّه،وخلقه للسماوات والأرض.ثم لا يرتبون على هذا الاعتراف نتائجه الطبيعية من توحيد اللّه،وإخلاص التوجه إليه فكانوا يجعلون له شركاء،يخصونهم ببعض ما خلق من الأنعام كما كانوا يزعمون أن الملائكة بناته،ويعبدونهم من دونه في صورة أصنام!

الدرس الثاني:9 - 14 إعترافهم بالله وتذكيرهم ببعض نعم الله عليهم

والقرآن يعرض اعترافهم،ويرتب عليه نتائجه،ويوجههم إلى منطق الفطرة الذي يجانبونه،وإلى السلوك الواجب تجاه نعمته عليهم فيما خلق لهم من الفلك والأنعام.ثم يناقشهم بمنطقهم في دعواهم عن الملائكة: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟ لَيَقُولُنَّ:خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ.الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا،وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ،فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا،كَذلِكَ تُخْرَجُونَ.وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها،وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ.لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ،ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ،وَتَقُولُوا:سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا،وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» ..

لقد كانت للعرب عقيدة - نظن أنها بقايا من الحنيفية الأولى ملة إبراهيم عليه السّلام،ولكنها بهتت وانحرفت ودخلت فيها الأساطير - وقد بقي منها ما لا تملك الفطرة إنكاره من وجود خالق لهذا الكون،وأنه هو اللّه،فما يمكن - في منطق الفطرة وبداهتها - أن يكون هذا الكون قد نشأ هكذا من غير خالق وما يمكن أن يخلق هذا الكون إلا اللّه.ولكنهم كانوا يقفون بهذه الحقيقة التي تنطق بها بداهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت