مولده الخرافات والأساطير،وتعكس الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب،- وهي إثبات القدرة الإلهية التي لا تتقيد - تعكسها فتشوه عقيدة التوحيد.
والقرآن في هذه السورة يقص كيف وقعت هذه العجيبة،ويبرز دلالتها الحقيقية،وينفي تلك الخرافات والأساطير.
والسياق يخرج القصة في مشاهد مثيرة،حافلة بالعواطف والانفعالات،التي تهز من يقرؤها هزا كأنما هو يشهدها:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا،فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا.فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا،فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا.قالَتْ:إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا.قالَ:إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا.قالَتْ:أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا؟ قالَ:كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ،وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ..وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا» ..
فهذا هو المشهد الأول - فتاة عذراء.قديسة،وهبتها أمها وهي في بطنها لخدمة المعبد.لا يعرف عنها أحد إلا الطهر والعفة حتى لتنسب إلى هارون أبي سدنة المعبد الإسرائيلي المتطهرين - ولا يعرف عن أسرتها إلا الطيبة والصلاح من قديم.ها هي ذي تخلو إلى نفسها لشأن من شؤونها التي تقتضي التواري من أهلها والاحتجاب عن أنظارهم ..
ولا يحدد السياق هذا الشأن،ربما لأنه شأن خاص جدا من خصوصيات الفتاة ..
وها هي ذي في خلوتها،مطمئنة إلى انفرادها.ولكن ها هي ذي تفاجأ مفاجأة عنيفة ..إنه رجل مكتمل سوي: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا» ..وها هي ذي تنتفض انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها،فتلجأ إلى اللّه تستعيذ به وتستنجد وتستشير مشاعر التقوى في نفس الرجل،والخوف من اللّه والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي: «قالَتْ:إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا» فالتقيّ ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن،ويرجع عن دفعة الشهوة ونزغ الشيطان ..وهنا يتمثل الخيال تلك العذراء الطيبة البريئة ذات التربية الصالحة،التي نشأت في وسط صالح،وكفلها زكريا،بعد أن نذرت للّه جنينا ..وهذه هي الهزة الأولى.
«قالَ:إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا» ..وليتمثل الخيال مقدار الفزع والخجل.وهذا
الرجل السوي - الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها - فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها - يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول،وهو أنه يريد أن يهب لها غلاما،وهما في خلوة - وهذه هي الهزة الثانية.ثم تدركها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها! فتسأل في صراحة:كيف؟