وما لوضع ولا لشرع من قوة إلا أن يستمد قوته من اللّه.فما لم ينزل به اللّه من عنده قوة،هو ضعيف هزيل،خلو من عنصر القوة الأصيل.
وهؤلاء إنما يعبدون آلهة من الأصنام والأوثان،أو من الناس أو الشيطان ..وهذه كلها لم ينزل اللّه بها قوة من عنده،فهي محرومة من القوة.وهم لا يعبدونها عن علم ولا دليل يقتنعون به،إنما هو الوهم والخرافة.وما لهم من نصير يلجأون إليه وقد حرموا من نصرة اللّه العزيز القدير.
وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون اللّه ما لم ينزل به سلطانا،وما ليس لهم به علم.لا يستمعون لدعوة الحق،ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول.إنما تأخذهم العزة بالإثم،ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام اللّه: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ،يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا» ..
إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة،ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجأون إلى العنف والبطش عند ما تعوزهم الحجة ويخذلهم الدليل.وذلك شأن الطغاة دائما يشتجر في نفوسهم العتو،وتهيج فيهم روح البطش،ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ! ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد: «قُلْ:أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ؟» بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوون عليه،ومن ذلك البطش الذي تهمون به .. «النَّارُ» ..وهي الرد المناسب للبطش والمنكر «وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
ثم يعلن في الآفاق،على الناس جميعا،إعلانا مدويا عاما ..يعلن عن ضعف الآلهة المدعاة الآلهة كلها التي يتخذها الناس من دون اللّه.ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون،ويركن إليها أولئك الغاشمون.يعلن عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار،مصور في مشهد شاخص متحرك،تتملاه العيون والقلوب ..مشهد يرسم الضعف المزري ويمثله أبرع تمثيل: «يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ:إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ،وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ» ..
إنه النداء العام،والنفير البعيد الصدى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ» ..فإذا تجمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب،لا حالة خاصة ولا مناسبة حاضرة: «ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ» ..هذا المثل يضع قاعدة،ويقرر حقيقة. «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ» ..كل من تدعون من دون اللّه من آلهة مدعاة.من أصنام وأوثان،ومن أشخاص وقيم وأوضاع،تستنصرون بها من دون اللّه،وتستعينون بقوتها وتطلبون منها النصر والجاه ..كلهم «لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ» ..والذباب صغير حقير ولكن هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون - ولو اجتمعوا وتساندوا -