يصدق تحققه،لأن تحققه يلبي هذه الرغبة! والرجل المؤمن يشتد هنا وهو يشير إلى هذا الارتياب والإسراف في التكذيب فيقول: «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ» ..
فينذرهم بإضلال اللّه الذي ينتظر كل مسرف مرتاب في عقيدته وقد جاءته معها البينات.
ثم يشتد في مواجهتهم بمقت اللّه ومقت المؤمنين لمن يجادل في آيات اللّه بغير حجة ولا برهان.وهم يفعلون هذا في أبشع صورة.ويندد بالتكبر والتجبر،وينذر بطمس اللّه لقلوب المتكبرين المتجبرين! «الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا.كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» ..والتعبير على لسان الرجل المؤمن يكاد يكون طبق الأصل من التعبير المباشر في مطالع السورة.المقت للمجادلين في آيات اللّه بغير برهان،والإضلال للمتكبرين المتجبرين حتى ما يبقى في قلوبهم موضع للهدى،ولا منفذ للإدراك.
وعلى الرغم من هذه الجولة الضخمة التي أخذ الرجل المؤمن قلوبهم بها فقد ظل فرعون في ضلاله،مصرا على التنكر للحق.ولكنه تظاهر بأنه آخذ في التحقق من دعوى موسى.ويبدو أن منطق الرجل المؤمن وحجته كانت من شدة الوقع بحيث لم يستطع فرعون ومن معه تجاهلها.فاتخذ فرعون لنفسه مهربا جديدا: «وَقالَ فِرْعَوْنُ:يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ.أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى .وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا.وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ،وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ» ..
يا هامان ابن لي بناء عاليا لعلي أبلغ به أسباب السماوات،لأنظر وأبحث عن إله موسى هناك «وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا» ..هكذا يموه فرعون الطاغية ويحاور ويداور،كي لا يواجه الحق جهرة،ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه،وتهدد الأساطير التي قام عليها ملكه.وبعيد عن الاحتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه.
وبعيد أن يكون جادا في البحث عن إله موسى على هذا النحو المادي الساذج.وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حدا يبعد معه هذا التصور.إنما هو الاستهتار والسخرية من جهة.والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى.وربما كانت هذه خطة للتراجع أمام مطارق المنطق المؤمن في حديث الرجل المؤمن! وكل هذه الفروض تدل على إصراره على ضلاله،وتبجحه في جحوده: «وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ،وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ» ..وهو مستحق لأن يصد عن السبيل،بهذا المراء الذي يميل عن الاستقامة وينحرف عن السبيل.ويعقب السياق على هذا المكر والكيد بأنه صائر إلى الخيبة والدمار: «وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ» ..
الدرس السادس:38 - 44 المؤمن يعرف قومه بدينه وعقيدته ويدعوهم إليه