ولكن دلالة الآية أعم. فهي تمثل تدبير اللّه للأمر كله من وراء الحركة الظاهرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - والعصبة المسلمة معه. ولذلك تلاها قول اللّه تعالى: «وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا» ..
أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر،بعد أن يكتب لهم به النصر. فهو الفضل المضاعف أولا وأخيرا.
«إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم ويجعلكم ستارا لقدرته،متى علم منكم الخلوص له ويعطيكم النصر والأجر .. كما أعطاكم هذا وذاك في بدر ..
«ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ» ..وهذه أخرى بعد تلك الأولى! إن التدبير لا ينتهي عند أن يقتل لكم أعداءكم بأيديكم،ويصيبهم برمية رسولكم،ويمنحكم حسن البلاء ليأجركم عليه .. إنما هو يضيف إليه توهين كيد الكافرين،وإضعاف تدبيرهم وتقديرهم .. فلا مجال إذن للخوف،ولا مجال إذن للهزيمة،ولا مجال إذن لأن يولي المؤمنون الأدبار عند لقاء الكفار ..
ويتصل السياق هنا بكل ملابسات المعركة .. فإذا كان اللّه هو الذي قتل المشركين،وهو الذي رماهم،وهو الذي أبلى المؤمنين فيها ذلك البلاء الحسن،وهو الذي أوهن كيد الكافرين .. فما النزاع والاختلاف إذن في الأنفال،والمعركة كلها أديرت بتدبير اللّه وبتقديره،وليس لهم فيها إلا أن كانوا ستارا لهذا التدبير والتقدير؟!
وعند ما يصل السياق إلى تقرير .. أن اللّه موهن كيد الكافرين .. يتجه بالخطاب إلى الكافرين،أولئك الذين استفتحوا قبيل المعركة،فدعوا اللّه أن يجعل الدائرة على أضل الفريقين وآتاهما بما لا يعرف وأقطعهما للرحم - كما كان دعاء أبي جهل وهو استفتاحه:أي طلبه الفتح من اللّه والفصل - فدارت الدائرة على المشركين! ..
يتوجه إليهم بالخطاب،ساخرا من استفتاحهم ذاك مؤكدا لهم أن ما حدث في بدر إنما هو نموذج من السنة الجارية وليس فلتة عارضة وأن جموعهم وكثرتهم لن تغير من الأمر شيئا لأنها السنة الجارية:أن يكون اللّه مع المؤمنين: « إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ. وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ،وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ. وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» ..
إن تستفتحوا فتطلبوا من اللّه أن يفتح بينكم وبين المسلمين،وأن يهلك أضل الفريقين وأقطعهما للرحم ..
فقد استجاب اللّه،فجعل الدائرة عليكم،تصديقا لاستفتاحكم! لقد دارت الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم! ولقد علمتم - إن كنتم تريدون أن تعلموا - من هم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم! وعلى ضوء هذه الحقيقة،وفي ظل هذا الإيحاء،يرغبهم في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر والحرب للمسلمين،والمشاقة للّه ورسوله: «وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» ..