حتى يعترف بذنبه أمام القانون،ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة،ويتحملها مطمئنا مرتاحا،تفاديا من سخط اللّه،وعقوبة الآخرة» [1]
إنها التقوى ..إنها التقوى ..
ثم يجيء تشريع الوصية عند الموت ..والمناسبة في جوها وجو آيات القصاص حاضرة: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ - إِنْ تَرَكَ خَيْرًا - الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
وهذه كذلك كانت فريضة.الوصية للوالدين والأقربين.إن كان سيترك وراءه خيرا.وفسر الخير بأنه الثروة.واختلف في المقدار الذي تجب عنده الوصية.والأرجح أنها مسألة اعتبار ية بحسب العرف.فقال بعضهم لا يترك خيرا من يترك أقل من ستين دينارا،وقيل ثمانين وقيل أربعمائة.وقيل ألف ..والمقدار الذي يعتبر ثروة تستحق الوصية لا شك يختلف من زمان إلى زمان،ومن بيئة إلى بيئة.
وقد نزلت آيات المواريث بعد نزول آيات الوصية هذه.وحددت فيها أنصبة معينة للورثة،وجعل الوالدان وارثين في جميع الحالات.ومن ثم لم تعد لهما وصية لأنه لا وصية لوارث.عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى،أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ خَارِجَةَ،قَالَ لَيْثٌ فِي حَدِيثِهِ:خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ،فَقَالَ:أَلاَ إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لِي،وَلاَ لأَهْلِ بَيْتِي،وَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ كَاهِلِ نَاقَتِهِ فَقَالَ:وَلاَ مَا يُسَاوِي هَذِهِ،أَوْ مَا يَزِنُ هَذِهِ،لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ،أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ،وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ .إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ،وَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ [2] ..
أما الأقربون فقد بقي النص بالقياس إليهم على عمومه.فمن ورثته آيات الميراث فلا وصية له ومن لم يرث بقي نص الوصية هنا يشمله ..وهذا هو رأي بعض الصحابة والتابعين نأخذ به.
وحكمة الوصية لغير الورثة تتضح في الحالات التي توجب فيها صلة القرابة البر ببعض الأقارب،على حين لا تورثهم آيات الميراث لأن غيرهم يحجبهم.وهي لون من ألوان التكافل العائلي العام في خارج حدود الوراثة.ومن ثم ذكر المعروف وذكر التقوى: «بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» ..فلا يظلم فيها الورثة،ولا يهمل فيها غير الورثة ويتحرى التقوى في قصد واعتدال،وفي بر وإفضال ..
(1) - عن كتاب:ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للسيد أبي الحسن علي الحسني الندوي.ص 62 طبعة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. ( السيد رحمه الله )
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [6 /68] ( 17814) صحيح وأخرجه أصحاب السنن وغيرهم المسند الجامع [14 /228] (10740)