« وَقالَ اللَّهُ:لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ،إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا.أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ.وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ.ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ،لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ،فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» ..
لقد أمر اللّه ألا يتخذ الناس إلهين اثنين.إنما هو إله واحد لا ثاني له.ويأخذ التعبير أسلوب التقرير والتكرير فيتبع كلمة إلهين بكلمة اثنين،ويتبع النهي بالقصر إنما هو إله واحد.ويعقب على النهي والقصر بقصر آخر «فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» دون سواي بلا شبيه أو نظير.ويذكر الرهبة زيادة في التحذير ..ذلك أنها القضية الأساسية في العقيدة كلها،لا تقوم إلا بها،ولا توجد إلا بوجودها في النفس واضحة كاملة دقيقة لا لبس فيها ولا غموض.
إنما هو إله واحد ..وإنما هو كذلك مالك واحد: «وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..ودائن واحد «وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا» (أي واصلا منذ ما وجد الدين،فلا دين إلا دينه) ومنعم واحد: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» .وفطرتكم تلجأ إليه وحده ساعة العسرة والضيق،وتنتفي عنها أوهام الشرك والوثنية فلا تتوجه إلا إليه دون شريك: «ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ» وتصرخون لينجيكم مما أنتم فيه.
وهكذا يتفرد سبحانه وتعالى بالألوهية والملك والدين والنعمة والتوجه وتشهد فطرة البشر بهذا كله حين يصهرها الضر وينفض عنها أوشاب الشرك ..ومع هذا فإن فريقا من البشر يشركون باللّه بعد توحيده حالما ينجيهم من الضر المحيق! فينتهوا إلى الكفر بنعمة اللّه عليهم،وبالهدى الذي آتاهم ..فلينظروا إذن ما يصيبهم بعد المتاع القصير: «فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» ....
هذا النموذج الذي يرسمه التعبير هنا «ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ،ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ» ..نموذج متكرر في البشرية.ففي الضيق تتوجه القلوب إلى اللّه،لأنها تشعر بالفطرة ألا عاصم لها سواه.وفي الفرج تتلهى بالنعمة والمتاع،فتضعف ضلتها باللّه،وتزيغ عنه ألوانا من الزيغ تبدو في الشرك به وتبدو كذلك في صور شتى من تأليه قيم وأوضاع ولو لم تدع باسم الإله!.
ولقد يشتد انحراف الفطرة وفسادها،فإذا بعضهم في ساعة العسرة لا يلجأ إلى اللّه ولكن يلجأ إلى بعض مخاليقه يدعوها للنصرة والإنقاذ والنجاة،بحجة أنها ذات جاه أو منزلة عند اللّه،أو بغير هذه الحجة في بعض الأحيان،كالذين يدعون الأولياء لإنقاذهم من مرض أو شدة أو كرب ..فهؤلاء أشد انحرافا من مشركي الجاهلية الذين يرسم لهم القرآن ذلك النموذج الذي رأيناه!.
« وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ» .فإذا هم يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام.لا يركبونها أو لا يذوقون لحومها.أو يبيحونها للذكور دون الإناث - كما أسلفنا في سورة الأنعام - باسم الآلهة المدعاة التي لا يعلمون عنها شيئا،إنما هي أوهام موروثة من الجاهلية الأولى.واللّه هو الذي