فهرس الكتاب

الصفحة 3190 من 4997

بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل،حافل بالقلق والقلقلة والحيرة بلا يقين! ولكن فضل اللّه تدارك الجماعة الناشئة،ورحمته شملت المخطئين،بعد الدرس الأليم.

والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام واختلت فيها المقاييس،واضطربت فيها القيم،وضاعت فيها الأصول: «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ،وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ،وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا،وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» ..

وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج،وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام: «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» ..لسان يتلقى عن لسان،بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إنعام نظر.حتى لكأن القول لا يمر على الآذان،ولا تتملاه الرؤوس،ولا تتدبره القلوب! «وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» ..بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم.إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه،قبل أن تستقر في المدارك،وقبل أن تتلقاها العقول .. «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا» أن تقذفوا عرض رسول اللّه،وأن تدعوا الألم يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم يرم في الجاهلية وأن تتهموا صحابيا مجاهدا في سبيل اللّه.وأن تمسوا عصمة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وصلته بربه،ورعاية اللّه له .. « وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا» .. «وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» ..وما يعظم عند اللّه إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي،وتضج منه الأرض والسماء.

ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه،وأن تتحرج من مجرد النطق به،وأن تنكر أن يكون هذا موضوعا للحديث وأن تتوجه إلى اللّه تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا وأن تقذف بهذا الإفك بعيدا عن ذلك الجو الطاهر الكريم: «وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ:ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا.سُبْحانَكَ! هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ» ..

وعند ما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزا وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت ..عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم: «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .. «يَعِظُكُمُ» ..في أسلوب التربية المؤثر.في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار.مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان: «يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا» ..ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف،وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير،ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون: «وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ» ..على مثال ما بين في حديث الإفك،وكشف عما وراءه من كيد وما وقع فيه من خطايا وأخطاء: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف ويعلم مداخل القلوب،ومسارب النفوس.وهو حكيم في علاجها،وتدبير أمرها،ووضع النظم والحدود التي تصلح بها ..

الدرس الرابع:19 - 22 معالجة بعض آثار حادث الإفك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت